تجاوزات نفط دير الزور: عندما تصبح مكافحة الفساد جزءاً من بيئة الاستثمار السورية

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
لم تكن الأرقام وحدها هي العنصر الأهم في إعلان الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن كشف مخالفات وتجاوزات في قطاع النفط بدير الزور، رغم أن التقديرات الأولية للأضرار المحتملة على المال العام تتجاوز 28 مليون دولار عبر مسارين مختلفين.
الأكثر أهمية اقتصادياً هو ما يكشفه الملف عن طريقة عمل رقابية بدأت تتحول من الحديث عن النزاهة ومكافحة الفساد إلى التحقيق الميداني، وتحديد المسؤوليات، وكف اليد، والإحالة إلى القضاء، ومراجعة العقود، والتوصية بالحجز الاحتياطي على الأموال.
وفي دولة تعمل على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة مواردها وجذب رأس المال المحلي والخارجي، فإن نجاح هذا المسار لا يتعلق فقط بمعاقبة الفاسدين، بل ببناء بيئة يستطيع فيها المستثمر أن يفترض أن العقود ستخضع للتدقيق، وأن المخالفات يمكن اكتشافها، وأن المال العام ليس متاحاً دون مساءلة.
ماذا كشفت التحقيقات في نفط دير الزور؟
في 22 آب 2026، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش نتائج أولية لعمل رقابي استمر ثلاثة أشهر وشارك فيه 22 مفتشاً، وشمل جولات ميدانية في عدد من حقول النفط بمحافظة دير الزور لمطابقة نتائج التحقيقات والتقارير مع الواقع الفعلي.
وبحسب الهيئة، كشفت التحقيقات مخالفات وتجاوزات طالت آليات إنتاج النفط ونقله ومعايرته، وأعمال الصيانة والتعاقدات، إضافة إلى ثغرات في الإجراءات الرقابية.
وقدرت الهيئة بصورة أولية أضراراً بالمال العام تتجاوز 8 ملايين دولار ناجمة عن التعاقدات وأعمال الصيانة وسوء الإدارة، ولا سيما في حقول دير الزور، فيما تناول مسار تحقيقي آخر عقود نقل النفط الخام بين إدارة المنطقة الوسطى والشركات الناقلة، مع تقدير أضرار إضافية بنحو 20 مليون دولار نتيجة فروق الأسعار.
وبذلك تتجاوز التقديرات الأولية في المسارين مجتمعين 28 مليون دولار، مع ضرورة التأكيد أن هذه الأرقام ما تزال أولية وأن التحقيقات مستمرة.
لكن الإجراءات لم تتوقف عند تسجيل المخالفات.
فقد أصدرت الهيئة قرارات بكف يد تسعة مسؤولين في مواقع مرتبطة بإدارة الحقول والإنتاج والنقل وخدمات الآبار والإشراف على العقود، وإحالتهم إلى القضاء لاستكمال التحقيقات والإجراءات القضائية.
كما شملت الإجراءات التوجيه بفسخ عقود بعض الشركات والمتعهدين والمتعاقدين مع قطاع النفط بسبب ما أظهرته التحقيقات من قصور ومخالفات، إلى جانب التوصية بإلقاء الحجز الاحتياطي على أموال المتورطين والتوسع في التحقيق بملفات أخرى ظهرت أثناء أعمال الرقابة.
وتبقى الإحالة إلى القضاء إجراءً قانونياً لا تعني بحد ذاتها صدور أحكام نهائية أو ثبوت المسؤولية القضائية على كل شخص محال، وهي نقطة ضرورية عند قراءة الملف مهنياً.
لماذا يتجاوز الحدث قيمة الـ28 مليون دولار؟
يمكن لدولة أن تعلن عشرات المرات أنها تحارب الفساد من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير حقيقي في بيئة الأعمال.
المؤشر الأكثر أهمية يبدأ عندما تتحول مكافحة الفساد إلى عملية مؤسسية يمكن تتبعها: ملفات تُدقق، عقود تُراجع، واقع ميداني يُطابق مع الوثائق، مسؤوليات تُحدد، إجراءات تحفظية تُتخذ، وقضايا تُحال إلى القضاء.
ولهذا تحديداً تكتسب قضية دير الزور أهمية مختلفة.
فالعمل استمر ثلاثة أشهر، وشارك فيه فريق رقابي واسع، ولم يعتمد على مراجعة مكتبية للعقود فقط، بل شمل التحقق الميداني من عمليات الإنتاج والنقل والصيانة والمعايرة. ثم تبع ذلك اتخاذ إجراءات مباشرة بحق مسؤولين ومتعاقدين.
هذه السلسلة من الرصد إلى التحقيق، ثم المطابقة الميدانية، فالإجراء الإداري والقضائي، هي التي تجعل القضية مؤشراً يستحق القراءة من زاوية الحوكمة وليس من زاوية الفساد المالي وحده.
هل نحن أمام تحول أوسع في عمل الأجهزة الرقابية؟
من المبكر اعتبار قضية واحدة دليلاً كافياً على تغيير مؤسسي مكتمل. إلا أن أهميتها ترتفع عندما توضع ضمن سياق عدد من التحركات الرقابية التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة.
ففي 7 آب، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أنها أحالت خلال شهر تموز وحده 310 أشخاص إلى القضاء، إضافة إلى 14 شخصاً إلى المحكمة المسلكية، ومعاقبة 344 شخصاً مسلكياً، مع اكتشاف مبالغ تعادل أكثر من 17.2 مليون دولار وفق بيانات الهيئة.
وفي 8 آب، أعلنت الهيئة كشف مخالفات في فرعي التأمين والمعاش والتأمينات الاجتماعية بحلب بعد تدقيق عقود تجاوزت قيمتها ثلاثة تريليونات ليرة سورية قديمة، مع تقديرات أولية بفوات إيرادات تتجاوز 90 مليار ليرة قديمة.
وتبع ذلك خلال الشهر نفسه الكشف عن تجاوزات في عقود بمصفاة بانياس، وعن مخالفات في قطاع الحبوب بدير الزور انتهت إلى استرداد قيمة كميات من الدقيق المدعوم وتوجيهات بإعفاء مسؤولين وفسخ عقود تشغيل.
وبالتوازي مع الملفات التنفيذية، تعمل الهيئة على تطوير بنيتها وأدواتها؛ إذ شهدت الأشهر الأخيرة خطوات مرتبطة بإعادة تنظيم العمل الرقابي، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتطوير معايير النزاهة والشفافية، والتعاون مع جهات دولية وإقليمية في مجال مكافحة الفساد والحوكمة. وفي 19 آب تحديداً، عقدت وزارة النقل والهيئة ورشة لبناء رقابة داخلية أكثر فاعلية، فيما استضافت الهيئة خلال الأسبوع نفسه برنامجاً بالتعاون مع هيئة النزاهة ومكافحة الفساد الأردنية تناول بناء منظومة للنزاهة وتقييم مخاطر الفساد.
مجتمعة، لا تثبت هذه الأحداث أن مشكلة الفساد قد عولجت، لكنها تقدم مؤشرات على أن الملف أصبح يتحرك على أكثر من مستوى: رقابة، تحقيق، مساءلة، بناء قدرات، وتطوير مؤسسي.
وهنا يكمن الفرق بين حملة مؤقتة وبين بداية بناء منظومة.
مكافحة الفساد ليست ملفاً أخلاقياً فقط
من الخطأ اقتصادياً النظر إلى مكافحة الفساد باعتبارها قضية إدارية أو أخلاقية منفصلة عن الاستثمار والنمو.
الفساد يعني في صورته الاقتصادية عقوداً أعلى تكلفة مما يجب، ومشتريات لا تعكس القيمة الحقيقية، وشركات قد تحصل على أفضلية لا تستند إلى الكفاءة، وهدر موارد كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية أو الخدمات أو الاستثمار العام.
وعندما يتعلق الأمر بقطاع مثل النفط، تتضاعف المشكلة.
فالنفط ليس مجرد قطاع إنتاجي، بل مورد سيادي يؤثر في المالية العامة والطاقة والنقل والصناعة وقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها. ولذلك فإن أي خلل في الإنتاج أو النقل أو التعاقدات أو الصيانة يمكن أن ينتقل أثره إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد.
من هنا، فإن حماية بضعة ملايين من الدولارات من الهدر مهمة، لكن بناء نظام يمنع تكرار عشرات الحالات المشابهة أهم بكثير.
ماذا يعني ذلك للمستثمر؟
المستثمر الجاد لا يبني قراره على حجم الفرص الموجودة في بلد ما فقط.
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ما مدى وضوح القواعد وقدرة المؤسسات على تطبيقها؟
عندما يدخل مستثمر أو شركة دولية في مشروع كبير، فإن أحد المخاطر التي يحاول تقييمها هو احتمال وجود منافسة غير عادلة، أو عقود غير شفافة، أو تدخلات شخصية، أو إجراءات تختلف بين جهة وأخرى، أو عدم وجود جهة قادرة على التدقيق والمحاسبة.
ولهذا ترتبط الحوكمة مباشرة بالاستثمار.
البنك الدولي يضع كفاءة المؤسسات وشفافية وفعالية البيئة التنظيمية ضمن العناصر المهمة لتمكين الشركات من الاستثمار والنمو، ويشير إلى أن تبسيط الإجراءات وتقوية المؤسسات يقللان فرص الفساد ويخفضان تكاليف ممارسة الأعمال.
كما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الفساد يعيق الاستثمار والمنافسة وريادة الأعمال ويؤثر في قرارات الاستثمار العام والخاص.
لذلك فإن المستثمر الخارجي عندما يرى أن الدولة نفسها تراجع عقوداً في قطاع استراتيجي، وتتحرك ضد مسؤولين ومتعاقدين عند ظهور شبهات جدية، فهو لا يقرأ ذلك بالضرورة كخبر سلبي عن وجود فساد.
قد يقرأ الجانب الآخر منه أيضاً: أن هناك جهازاً يبحث عن الفساد عندما يحدث.
وهذه نقطة جوهرية.
لا توجد بيئة اقتصادية كبيرة يمكن ضمان خلوها بالكامل من المخالفات. الفارق الحقيقي هو بين بيئة تستطيع المخالفة فيها الاستمرار من دون اكتشاف ومحاسبة، وبيئة تمتلك مؤسسات قادرة على كشفها والتعامل معها.
الشفافية لا تعني إخفاء المشكلات
هناك تصور خاطئ أحياناً بأن الإعلان عن قضايا الفساد يضر بصورة الدولة أمام المستثمر.
في الواقع، قد يكون العكس أكثر صحة عندما تكون هناك إجراءات مؤسسية موثوقة.
إخفاء المخالفات لا يعني أن المخاطر غير موجودة، بل يجعلها غير قابلة للقياس. أما نشر نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة فيعطي السوق معلومات عن كيفية تعامل المؤسسات معها.
ومن زاوية المستثمر، القدرة على قياس المخاطر أفضل من العمل داخل بيئة مبهمة.
لكن ذلك يتطلب أن تصبح الشفافية قاعدة مستمرة: نشر النتائج، استكمال المسارات القضائية، توضيح ما انتهت إليه القضايا، وعدم الاكتفاء بالإعلان عند بداية التحقيق.
فالشفافية الحقيقية لا تتوقف عند كشف الملف، بل تشمل معرفة ماذا حدث بعد كشفه.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
قضية نفط دير الزور تحمل مؤشراً إيجابياً، لكنها في الوقت نفسه تضع معياراً أعلى أمام المؤسسات الحكومية نفسها.
نجاح التجربة لن يقاس بعدد المسؤولين الذين كُفّت أيديهم فقط، بل بما إذا كانت الثغرات التي سمحت بحدوث التجاوزات ستُغلق.
هل ستُراجع آليات إبرام عقود نقل النفط وتسعيرها؟ هل ستتغير إجراءات الإشراف والاستلام والصيانة والمعايرة؟ هل ستصبح المقارنة بين الأسعار والعروض أكثر شفافية؟ وهل ستطبق المعايير ذاتها على الملفات الكبيرة بصرف النظر عن هوية الأشخاص أو الشركات؟
هذه هي الأسئلة التي تحدد ما إذا كانت مكافحة الفساد ستتحول من معالجة حالات فردية إلى إصلاح مؤسسي وقائي.
والهيئة نفسها أعلنت سابقاً عن توجه للانتقال من الرقابة التقليدية اللاحقة إلى رقابة أكثر اعتماداً على تحليل المخاطر وتقييم الأداء ومنع الفساد قبل وقوعه.
إذا تحقق ذلك عملياً، ستكون القيمة الاقتصادية أكبر بكثير من استعادة أي مبلغ منفرد.
من حماية المال العام إلى إعادة بناء الثقة
سوريا في مرحلة تحتاج فيها إلى رأس المال والخبرة والشركات المحلية والدولية لإعادة تشغيل قطاعات واسعة من الاقتصاد وتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات.
ولا يمكن بناء هذه العملية على الفرص والحوافز وحدها.
المستثمر يحتاج أيضاً إلى مؤسسات، وقواعد تعاقد، ومسؤوليات واضحة، وقدرة حقيقية على المساءلة.
لهذا فإن ما حدث في دير الزور يجب ألا يُقرأ فقط بوصفه قصة عن تجاوزات مالية تتجاوز 28 مليون دولار وفق تقديرات أولية.
إذا استمر هذا النهج واتسع، وإذا انتقلت نتائج التحقيقات إلى إصلاح إجراءات التعاقد والرقابة ونشر المخرجات النهائية، فقد يكون ما نشاهده جزءاً من تحول أكبر: من دولة تتحدث عن مكافحة الفساد إلى مؤسسات تحاول أن تجعل تكلفة الفساد أعلى، واحتمال اكتشافه أكبر، ومساحة الإفلات من المساءلة أضيق.
وهذا، بالنسبة للاقتصاد السوري وبيئته الاستثمارية، أحد أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة.