1,000 مصنع وامتداد إلى 1,400 هكتار: مدينة الرخام في حسياء تستهدف بناء عنقود صناعي وتصديري جديد

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية وشركة «بالميرا مار» الإسبانية مذكرة تفاهم لإقامة مدينة صناعية متخصصة بصناعة الرخام والحجر الطبيعي في المدينة الصناعية بحسياء بمحافظة حمص، في مشروع يستهدف عند اكتمال توسعه إنشاء نحو 1,000 مصنع، واستقطاب استثمارات خارجية إلى نحو نصف المصانع المزمع إنشاؤها.
وتكشف التفاصيل الرسمية الجديدة للمشروع عن نطاق يتجاوز إنشاء تجمع صناعي محدود؛ إذ تبدأ المدينة على مساحة 200 هكتار، مع إمكانية التوسع مستقبلاً إلى 1,400 هكتار، فيما تقدر تكلفة المرحلة الأولى بنحو 30 مليون دولار، على أن يصل حجمها مستقبلاً إلى نحو 200 مليون دولار وفق التصريحات الرسمية.
وتضع هذه الأرقام المشروع، في حال انتقاله من مذكرة التفاهم إلى التنفيذ وفق النطاق المستهدف، ضمن المشاريع الصناعية الكبيرة القادرة على إنشاء عنقود متخصص لصناعة الحجر الطبيعي في سوريا، وربط التصنيع المحلي بجذب الاستثمارات والتصدير وتوليد فرص العمل.
ماذا يتضمن مشروع مدينة الرخام في حسياء؟
جرى توقيع مذكرة التفاهم خلال فعاليات الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي بين وزارة الاقتصاد والصناعة وشركة «بالميرا مار» الإسبانية للرخام.
وبحسب البيانات المعلنة، يستهدف المشروع:
- البدء بمساحة تبلغ 200 هكتار.
- التوسع مستقبلاً حتى 1,400 هكتار.
- تكلفة تقديرية للمرحلة الأولى بنحو 30 مليون دولار.
- وصول التكلفة مستقبلاً إلى نحو 200 مليون دولار.
- إنشاء نحو 1,000 مصنع متخصص بصناعة الرخام والحجر الطبيعي.
- استقطاب استثمارات خارجية في نحو 50% من المصانع المستهدفة.
- توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل خلال مرحلة التشييد.
- توفير نحو 15 ألف فرصة عمل مباشرة عند التشغيل.
- توليد نحو 30 ألف فرصة عمل غير مباشرة.
كما حددت التصريحات المنشورة مدة مذكرة التفاهم بثلاثة أشهر للبدء بالعمل، ما يجعل المرحلة التالية للمشروع مهمة في تحديد الانتقال من التفاهم الأولي إلى خطوات التنفيذ الفعلية.
لماذا تتجاوز أهمية المشروع إنشاء مصانع جديدة؟
الأهمية المحتملة لمدينة الرخام لا ترتبط بعدد المصانع المستهدف فقط، وإنما بفكرة تجميع عدد كبير من المنشآت المتخصصة داخل منطقة صناعية واحدة.
هذا النموذج يمكن، إذا نُفذ وفق التصور المعلن، أن يساعد على تكوين سلسلة قيمة أكثر تكاملاً حول صناعة الرخام والحجر الطبيعي، تبدأ من تجهيز المواد ومعالجتها، وتمتد إلى القطع والتصنيع والتشطيب والتعبئة والخدمات اللوجستية والتسويقية المرتبطة بها.
وعوضاً عن عمل المنشآت بصورة متفرقة، يمكن للتجمع الصناعي المتخصص أن يخلق بيئة تساعد على تبادل الخدمات والخبرات، وتطوير الموردين، وتحسين الوصول إلى المعدات والتقنيات، وتخفيض بعض تكاليف الخدمات المشتركة مع توسع النشاط.
ولهذا فإن معيار نجاح المشروع لن يكون في عدد المقاسم أو المصانع التي يتم الإعلان عنها، وإنما في قدرته الفعلية على تكوين منظومة صناعية متخصصة ومترابطة.
التصدير ورفع القيمة المضافة في صلب المشروع
تضع التصريحات الرسمية هدفين اقتصاديين واضحين للمشروع: تلبية احتياجات السوق المحلية وفتح المجال أمام تصدير منتجات الحجر والرخام إلى الدول المجاورة وأسواق المنطقة، إلى جانب رفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
وهذه النقطة تحديداً تمنح المشروع أهمية إضافية للاقتصاد السوري.
فزيادة القيمة المضافة لا تعتمد على توفر المواد الطبيعية وحدها، بل على مقدار ما يجري من تصنيع ومعالجة وتصميم وتشطيب داخل سوريا قبل وصول المنتج إلى السوق النهائية.
وكلما تمكنت المدينة الجديدة من جذب تقنيات تصنيع متقدمة ومنشآت قادرة على تقديم منتجات نهائية أو شبه نهائية بمواصفات تنافسية، ارتفعت إمكانية تحويل الرخام والحجر الطبيعي من مورد صناعي إلى سلسلة منتجات ذات قيمة تصديرية أعلى.
كما أن تكوين قاعدة واسعة من المصنعين في موقع واحد قد يساعد لاحقاً على بناء حضور تسويقي وتصديري أكثر تنظيماً للمنتجات السورية في الأسواق الإقليمية.
استثمارات خارجية مستهدفة في نصف المصانع
من أبرز الأرقام المعلنة في المشروع استهداف شركة «بالميرا مار» جذب استثمارات خارجية لنحو 50% من المصانع المزمع إنشاؤها.
وإذا تحقق هذا الهدف، فلن يكون المشروع توسعاً في الطاقة الصناعية المحلية فحسب، بل منصة محتملة لجذب شركات ورؤوس أموال وخبرات تقنية خارجية إلى قطاع صناعي محدد.
وتزداد أهمية هذا النموذج في المرحلة الحالية من الاقتصاد السوري، لأن جذب الاستثمار الأجنبي إلى تجمعات صناعية متخصصة قد يكون أكثر فاعلية من استقطاب مشاريع منفردة؛ إذ يحصل المستثمر ضمن هذا النموذج على موقع صناعي واضح، وبيئة قطاعية متخصصة، وإمكانية التعامل مع موردين وشركات تعمل ضمن النشاط ذاته.
لكن نسبة الـ50% تبقى في الوقت الحالي هدفاً معلناً للاستقطاب، وليس استثمارات متعاقداً عليها أو منفذة بالفعل، وستتضح أهميتها الفعلية مع ظهور أسماء المستثمرين والشركات وحجم الالتزامات التي ستدخل المشروع.
عشرات آلاف فرص العمل.. ولكن على مراحل مختلفة
تقديرات التشغيل المعلنة للمشروع كبيرة نسبياً، إذ تشير إلى نحو 10 آلاف فرصة عمل خلال مرحلة التشييد، إضافة إلى نحو 15 ألف فرصة مباشرة ونحو 30 ألف فرصة غير مباشرة.
ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام باعتبارها كتلة واحدة من الوظائف التي ستظهر في وقت واحد.
فرص العمل المرتبطة بالتشييد بطبيعتها مرحلية، بينما ترتبط الوظائف المباشرة ببدء تشغيل المنشآت الصناعية، أما الوظائف غير المباشرة فتتوقف على تطور النشاط المحيط بالمدينة في النقل والخدمات والموردين والتجارة والأعمال المساندة.
وبالتالي ستبقى سرعة إنشاء المصانع ومعدلات إشغال المدينة وحجم الإنتاج الفعلي هي المحدد الحقيقي للأثر التشغيلي للمشروع.
حسياء تستعد لدور صناعي أكبر
اختيار المدينة الصناعية بحسياء للمشروع يأتي في سياق توجه أوسع لتوسيع النشاط الصناعي والاستثماري فيها.
فبحسب بيانات رسمية نُشرت في آب 2026، تضم المدينة الصناعية بحسياء 433 منشأة على مساحة تتجاوز 326 هكتاراً، وتوفر نحو 10,500 فرصة عمل، كما كانت «مدينة الرخام» مدرجة بالفعل بين المشاريع الاستثمارية والتوسعية المطروحة إلى جانب المدينة التكنولوجية والمجمع السوري الأوروبي للصناعات الثقيلة.
ويعني ذلك أن مذكرة التفاهم الجديدة ليست إعلاناً منفصلاً عن مسار المدينة، وإنما خطوة أكثر تحديداً في مشروع كان مطروحاً ضمن خطط التوسع، مع ظهور تفاصيل جديدة بشأن المساحة والاستثمارات والمصانع وفرص العمل المستهدفة.
وإذا تحققت التوسعات المعلنة، فإن مدينة الرخام ستضيف إلى حسياء كتلة صناعية متخصصة كبيرة مقارنة بالحجم الحالي للنشاط الصناعي فيها، ما قد يعزز موقعها باعتبارها إحدى النقاط الرئيسية للاستثمار الصناعي في وسط سوريا.
ما الذي يجب متابعته بعد مذكرة التفاهم؟
رغم ضخامة الأرقام المعلنة، فإن المشروع ما يزال في مرحلة مبكرة، ولذلك ستكون الأشهر المقبلة أكثر أهمية من الإعلان نفسه في تقييم مدى تحوله إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وتبرز مجموعة من المؤشرات التي ينبغي متابعتها:
أولاً، الانتقال من مذكرة التفاهم إلى اتفاقيات تنفيذية تحدد الأطراف والمسؤوليات والجدول الزمني.
ثانياً، تحديد الأراضي والبنية التحتية والخدمات التي ستخصص للمرحلة الأولى البالغة 200 هكتار.
ثالثاً، وضوح هيكل التمويل وآلية الوصول من تكلفة المرحلة الأولى البالغة نحو 30 مليون دولار إلى الحجم المستقبلي المقدر بنحو 200 مليون دولار.
رابعاً، ظهور المستثمرين والشركات التي ستنشئ المصانع فعلياً، ولا سيما الاستثمارات الخارجية المستهدفة.
خامساً، الإعلان عن جدول زمني واضح لبدء إنشاء المصانع ودخول أولى المنشآت مرحلة الإنتاج.
سادساً، تطور خطط التسويق والتصدير والوصول إلى الأسواق المستهدفة، لأن قدرة المشروع على توليد قيمة اقتصادية مستدامة ستعتمد في جزء مهم منها على وجود طلب محلي وتصديري قادر على استيعاب طاقته الإنتاجية.
من مدينة صناعية إلى عنقود متخصص؟
تجمع مدينة الرخام في حسياء بين عدة عناصر تجعلها مشروعاً جديراً بالمتابعة: مساحة قابلة للتوسع بصورة كبيرة، نحو 1,000 مصنع مستهدف، استثمارات خارجية محتملة في نصف المنشآت، توجه معلن نحو التصدير، وأثر متوقع واسع على سوق العمل.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام ستبدأ بالظهور عند تحولها إلى استثمارات ومصانع قيد الإنشاء والإنتاج.
إذا نجح المشروع في تنفيذ هذا التصور، فقد يتحول من مجرد منطقة تضم منشآت لصناعة الرخام إلى عنقود صناعي وتصديري متخصص، يجمع التصنيع والاستثمار والخدمات والمهارات والأسواق في موقع واحد، ويمنح صناعة الحجر الطبيعي السورية قاعدة أكبر للانتقال نحو المنتجات الأعلى قيمة والتوسع في الأسواق الإقليمية.
أما في المرحلة الحالية، فالأدق التعامل مع الأرقام المعلنة باعتبارها مستهدفات وتقديرات لمشروع دخل مرحلة مذكرة التفاهم، وليس باعتبار الـ200 مليون دولار استثماراً منفذاً أو الألف مصنع منشآت تم التعاقد عليها بالفعل.