مصرف الوطنية للتمويل الأصغر: من تمويل المشاريع الصغيرة إلى بناء تجربة مصرفية رقمية في سورية

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
خلال زيارة بوابة الأعمال السورية إلى معرض دمشق الدولي، أتاح لنا اللقاء مع الأستاذة سمر ضعون، نائب الرئيس التنفيذي لمصرف الوطنية للتمويل الأصغر، والأستاذ باسل المحاميد، المدير الإقليمي للمصرف، فرصة للاطلاع بصورة أوسع على نموذج عمل المصرف، ومنتجاته التمويلية، وخدماته المصرفية والرقمية، إضافة إلى مجموعة من الخطط التي يعمل عليها خلال المرحلة المقبلة.
ما يلفت الانتباه في تجربة “مصرف الوطنية” ليس تنوع القروض التي يقدمها فحسب، بل التحول التدريجي من مؤسسة متخصصة بالتمويل الأصغر إلى مصرف يقدم منظومة تشمل التمويل، الحسابات والودائع، التحويلات، الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية؛ وهي منظومة تضعه في مساحة متقاطعة بين دعم المشروعات الصغيرة وتعزيز الشمول المالي وتوسيع استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية في سورية.
من مؤسسة للتمويل الصغير إلى مصرف للتمويل الأصغر
انطلقت الوطنية للتمويل الصغير في نهاية عام 2011، وباشرت نشاطها خلال عام 2012، قبل أن تنتقل إلى مرحلة جديدة مع صدور القانون رقم 8 لعام 2021 الخاص بمصارف التمويل الأصغر.
ويعمل مصرف الوطنية اليوم كشركة مساهمة مغفلة خاصة مرخصة من مصرف سورية المركزي وفق القانون رقم 8 لعام 2021، ويشير المصرف إلى أن مهمته تتركز على تقديم حلول تمويلية للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وذوي الدخل المحدود، إلى جانب تقديم خدمات مالية ومصرفية وإلكترونية متنوعة.
ولا يمثل القانون رقم 8 مجرد تغيير في التسمية القانونية لهذه المؤسسات؛ إذ وسّع الإطار المتاح أمام مصارف التمويل الأصغر ليشمل قبول الودائع بالليرة السورية، فتح الحسابات الجارية وحسابات التوفير، تقديم القروض والمنتجات المالية بضمان أو دون ضمان، والمساهمة في تحويل الأموال، إضافة إلى إمكانية تقديم الخدمات عبر منافذ مصرفية وإلكترونية مختلفة بعد الحصول على الموافقات المطلوبة. والهدف الأساسي الذي حدده القانون هو توسيع النفاذ المالي، خصوصاً للفئات منخفضة الدخل وأصحاب الأنشطة الاقتصادية الذين يصعب عليهم الوصول إلى التمويل المصرفي التقليدي.
أكثر من 100 ألف قرض وشبكة تتوسع في المحافظات
تجاوز عدد القروض الممنوحة 100 ألف قرض، مع أكثر من 95 ألف مستفيد، وشبكة تتجاوز 12 فرعاً ومكتباً.
وتشمل الشبكة دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس والسويداء وجبلة، إضافة إلى مكاتب ونقاط أخرى، بما يعكس محاولة الوصول إلى شرائح لا يتركز وجودها بالضرورة في المراكز التجارية الرئيسية فقط.
وهذه النقطة مهمة في فهم التمويل الأصغر: فالقيمة لا تتعلق بحجم القرض وحده، وإنما بقدرة المؤسسة المالية على الوصول إلى صاحب مشروع صغير أو حرفي أو مزارع أو موظف أو صاحب مهنة حرة، وتقديم منتج مالي مصمم بصورة أقرب إلى طبيعة دخله وتدفقاته النقدية.
خريطة القروض: منتج مختلف لكل حاجة تقريباً
يعرض مصرف الوطنية حالياً مجموعة متنوعة من المنتجات التمويلية، ويبدو من تصميمها أنها تستهدف الفصل بين طبيعة الاحتياج ومصدر الدخل ودورة المشروع بدلاً من تقديم قرض موحد لجميع العملاء.
قرض أثر
يستهدف أصحاب الدخل المنخفض، وأصحاب المهن الحرة، والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، سواء كانت قائمة أو في مرحلة التأسيس.
وتكمن أهميته في توجيه التمويل إلى النشاط الاقتصادي نفسه، مثل مشروع منزلي، ورشة صغيرة، متجر، حرفة أو نشاط مهني يحتاج إلى تجهيزات أو رأس مال تشغيلي لتوسيع قدرته على الإنتاج.
قرض مضمون
يستهدف بصورة خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الذين يواجهون مشكلة في توفير الضمانات الكافية للحصول على التمويل.
ووفق المعلومات، يدخل هنا دور مؤسسة ضمان مخاطر القروض في تغطية جزء من مخاطر التمويل، بما يمكن أن يخفف واحدة من أكبر العقبات التي تواجه المشروع الصغير: امتلاك مشروع قابل للتمويل، لكن دون أصول كافية يمكن تقديمها كضمان.
قرض حصاد
منتج موجه إلى مشروعات الثروة الزراعية والحيوانية الصغيرة ومتناهية الصغر، ما يضع التمويل الزراعي ضمن المسارات المباشرة لعمل المصرف.
قرض قطاف
هذا المنتج أكثر ارتباطاً بطبيعة التدفقات النقدية الموسمية، إذ يستهدف المشروعات الزراعية والخدمية والغذائية والحرفية والمهنية التي تحقق إيراداتها ضمن مواسم محددة.
ويتيح هيكل السداد المرتبط بالموسم معالجة مشكلة معروفة لدى كثير من الأنشطة الصغيرة: المشروع قد يكون منتجاً وقادراً على السداد، لكن ليس بالضرورة أن يحقق دخلاً ثابتاً كل شهر.
قرض اقرأ
موجه للأغراض التعليمية، بما يشمل احتياجات الدراسة والتعليم لدى شرائح المجتمع المختلفة.
القرض الشخصي
يستهدف تمويل الاحتياجات الاستهلاكية للأفراد، ويشكل جزءاً من توسع المصرف خارج تمويل النشاط الإنتاجي المباشر إلى الاحتياجات المالية للأسر والأفراد.
قرض سلفة
يستهدف موظفي القطاعين العام والخاص، ويرتبط كذلك بمسار توطين الرواتب لدى المصرف.
لماذا يهم تنوع المنتجات أصحاب المشروعات الصغيرة؟
في المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة، المشكلة التمويلية ليست دائماً نقص المال فقط.
المزارع يحتاج إلى التمويل اليوم لكنه يحصل على عائد المشروع بعد الحصاد. الحرفي قد يحتاج إلى آلة جديدة حتى يضاعف إنتاجه. المشروع المنزلي قد يكون قادراً على النمو لكنه لا يملك عقاراً يستطيع رهنه. والموظف يحتاج إلى تمويل شخصي لكنه يعتمد أساساً على دخل شهري ثابت.
لذلك فإن تصميم المنتجات بناء على طبيعة النشاط ودورة الإيراد والضمانات المتاحة يمكن أن يكون أكثر فاعلية من تطبيق نموذج ائتماني واحد على جميع الشرائح.
لكن يبقى العامل الحاسم هو أن يكون التمويل متناسباً مع قدرة العميل الفعلية على السداد؛ لأن التمويل الذي لا يقابله تدفق نقدي كافٍ يمكن أن يتحول من أداة للنمو إلى عبء على المشروع أو الأسرة.
«الوطنية أون لاين»: التطبيق يتجاوز فكرة المحفظة الإلكترونية
أحد أبرز محاور اللقاء كان تطبيق «الوطنية أون لاين».
ورغم إمكانية النظر إليه من منظور المستخدم كأداة دفع أو محفظة إلكترونية، فإن وظائفه الحالية تجعله أقرب إلى منصة مصرفية رقمية مرتبطة بحساب العميل.
ويعرض المصرف ضمن خدماته الإلكترونية إمكانية:
- التحقق من الحسابات والأرصدة.
- إجراء التحويلات بين الحسابات.
- دفع الفواتير والرسوم الحكومية.
- الدفع لمزودي الخدمات والمحال والجهات المشتركة.
- دفع بعض الرسوم الجامعية.
- طلب كشوف الحساب.
- إدارة جزء متزايد من العمليات المصرفية إلكترونياً.
كما يوفر المصرف بطاقة إلكترونية يمكن استخدامها، للسحب من أكثر من 350 جهاز صراف آلي مرتبط بمنظومة بترامونيتكس، وللدفع عبر أكثر من 2,500 نقطة بيع.
وهنا تبدأ القيمة الأكبر للخدمة الرقمية: نقل العلاقة مع المصرف من “زيارة الفرع عند الحاجة” إلى علاقة مصرفية مستمرة من الهاتف.
فتح الحساب من الهاتف: خطوة قد تغير تجربة العميل
بحسب ما أوضحه مسؤولو مصرف الوطنية لبوابة الأعمال السورية خلال اللقاء في معرض دمشق الدولي، تطورت التجربة الرقمية للمصرف لتشمل إمكانية بدء رحلة فتح الحساب وتوثيقه من خلال التطبيق، مع التوجه إلى تمكين العميل من إنجاز معاملاته الأساسية والإيداع والسحب والاستفادة من الخدمات دون الحاجة إلى الاعتماد المستمر على زيارة الفرع.
إذا توسعت هذه التجربة واستقرت بصورة كاملة، فإن أهميتها تتجاوز توفير الوقت.
ففتح الحساب والوصول إلى الخدمات المالية رقمياً يعني عملياً تقليل تكلفة الحصول على الخدمة المصرفية على شخص يقيم بعيداً عن فرع، أو صاحب مشروع لا يستطيع تعطيل عمله لساعات لإنجاز معاملة، أو عميل يتعامل للمرة الأولى مع النظام المصرفي الرسمي.
كما أن المصرف يعلن بالفعل عن اتجاهه إلى توسيع “الخدمات المصرفية بالوكالة”، بما يشمل مستقبلاً السحب والإيداع وسداد الأقساط عبر شبكة من الوكلاء، وهو نموذج يمكن أن يزيد نطاق الوصول الجغرافي من دون الاعتماد حصراً على افتتاح فروع مصرفية جديدة.
الودائع: إمكانية الحصول على العائد بصورة شهرية
الجانب الآخر الذي توقفنا عنده خلال اللقاء يتعلق بالودائع.
يوفر مصرف الوطنية حسابات توفير وحسابات ودائع لأجل، ويعرض حالياً ودائع بمدد تبدأ من ستة أشهر وتسعة أشهر وسنة أو أكثر.
أما اللافت فهو “الوديعة المتحركة”، التي يذكر المصرف أنها تتيح تحويل العوائد إلى الحساب الجاري بصورة شهرية، بدلاً من اشتراط انتظار نهاية مدة الوديعة للحصول عليها.
هذا الخيار قد يكون مناسباً لفئة مختلفة من المودعين: من يريد المحافظة على أصل المبلغ المودع، لكنه يحتاج إلى تدفق نقدي دوري من عائده.
ويضيف الإطار القانوني ميزة أخرى؛ إذ عدّل القانون رقم 18 لعام 2024 المادة 16 من قانون مصارف التمويل الأصغر، وأعفى عملاء هذه المصارف من الضريبة على الدخل عن عوائد الودائع لديها، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم المترتبة على العقود والعمليات التي يجرونها مع المصرف.
وتبقى نسب العائد وشروط الوديعة ومددها من العناصر التي يجب على العميل التحقق منها مباشرة عند فتح الوديعة، لأنها قد تتغير وفق السياسات المصرفية والظروف النقدية.
الربط مع “شام كاش” ضمن الخطط القادمة
ومن المعلومات التي حصلت عليها بوابة الأعمال السورية مباشرة خلال اللقاء، أن إدارة مصرف الوطنية تعمل على توسيع نطاق الخدمات التي يقدمها التطبيق خلال المرحلة المقبلة، ومن بين المسارات المطروحة العمل على الربط مع «شام كاش» بما يسهل حركة التحويل بين القنوات المالية المختلفة.
هذه الخدمة ليست مطروحة هنا باعتبارها خدمة متاحة حالياً، وإنما كمسار تطوير يجري العمل عليه وفق المعلومات التي قدمها مسؤولو المصرف خلال اللقاء.
ويمكن أن تكون أهمية هذا النوع من الربط كبيرة؛ لأن إحدى نقاط الضعف التقليدية في أي سوق للدفع الرقمي هي وجود أنظمة منفصلة لا تستطيع الأموال الانتقال بينها بسهولة.
كلما زادت قابلية التشغيل البيني بين الحسابات المصرفية والمحافظ وشركات التحويل ونقاط الدفع، أصبحت المنظومة المالية الرقمية أكثر فائدة للمستخدم وأكثر قدرة على منافسة التعامل النقدي.
من التمويل الأصغر إلى الشمول المالي
أهمية مصارف التمويل الأصغر في السوق السورية لا تقاس فقط بعدد القروض.
الفئة التي تستهدفها هذه المصارف تشمل في كثير من الحالات أشخاصاً أو أنشطة لا تتمتع بعلاقة مصرفية قوية أصلاً: مشروع منزلي، حرفي، مزارع صغير، صاحب متجر، صاحب مهنة حرة، رائد أعمال في بداياته أو فرد من ذوي الدخل المحدود.
وعندما يحصل هذا المستخدم على حساب مصرفي، ثم يبدأ باستقبال وتحويل الأموال وإجراء المدفوعات وبناء سجل مالي واستخدام خدمات رقمية، تتحول العملية من «الحصول على قرض» إلى إدخاله تدريجياً في النظام المالي الرسمي.
وهذا هو جوهر الشمول المالي.
وبالنسبة للاقتصاد السوري، يمكن لهذا المسار أن يدعم:
- تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
- انتقال جزء من المعاملات من النقد إلى القنوات الإلكترونية.
- بناء تاريخ مالي وائتماني لشريحة أوسع من الأفراد والمشروعات.
- خفض تكلفة تنفيذ بعض المدفوعات والتحويلات.
- تحسين وصول التمويل إلى المحافظات والمناطق الأقل خدمة مصرفياً.
- دعم المشروعات المنزلية والحرفية والموسمية.
- زيادة قدرة المؤسسات المالية على تصميم منتجات بناء على بيانات فعلية عن احتياجات العملاء.
ما الذي يحتاج إلى التطوير بالتوازي؟
التحول الرقمي المصرفي لا ينجح بمجرد إطلاق تطبيق.
حتى تتحول هذه الخدمات إلى جزء واسع من النشاط الاقتصادي، هناك مجموعة من العناصر التي يجب أن تتطور بالتوازي، أبرزها سهولة فتح الحسابات، انتشار نقاط السحب والإيداع، قابلية الربط بين المصارف والمحافظ، ثقافة المستخدم الرقمية، الأمن السيبراني وحماية بيانات العملاء، وضوح العمولات، ومعالجة المشكلات والشكاوى بسرعة.
كما أن نجاح التمويل الأصغر نفسه يجب ألا يقاس بعدد القروض الممنوحة فقط، بل بما يحدث للمشروع بعد التمويل:
هل استطاع زيادة إنتاجه؟
هل حافظ على استمراريته؟
هل وفر فرص عمل؟
وهل تمكن المقترض من السداد دون أن يتحول التمويل إلى عبء يفوق قدرته؟
هذه المؤشرات هي التي تحول التمويل الأصغر من نشاط ائتماني إلى أداة تنموية واقتصادية.
مصرف أصغر بالحجم.. لكن بدور قد يكون أكبر في السوق
تجربة مصرف الوطنية تلفت النظر إلى تحول أوسع يمكن أن يشهده القطاع المصرفي السوري خلال السنوات المقبلة.
فالمنافسة المصرفية لن تقوم فقط على حجم الودائع وعدد الفروع، وإنما بصورة متزايدة على سهولة الخدمة، سرعة التحويل، جودة التطبيق، إمكانية فتح الحساب وإدارته رقمياً، انتشار نقاط الدفع، وربط المصرف بمنظومة المدفوعات والمحافظ الإلكترونية.
وفي هذا النوع من المنافسة يمكن لمصرف متخصص بالتمويل الأصغر أن يمتلك مساحة مهمة؛ لأنه قريب أساساً من شرائح الأفراد والمشروعات الصغيرة التي تمثل جزءاً واسعاً من النشاط الاقتصادي السوري.
كان لقاؤنا مع الأستاذة سمر ضعون والأستاذ باسل المحاميد فرصة للاطلاع بصورة أعمق على هذه التجربة، وعلى مجموعة من المنتجات والمشروعات والخطط المستقبلية التي يعمل عليها مصرف الوطنية للتمويل الأصغر.
كل الشكر لهما على الوقت والمعلومات التي قدماها لبوابة الأعمال السورية، وعلى حسن الاستقبال خلال معرض دمشق الدولي.
وفي مرحلة يعاد فيها تشكيل جزء كبير من البيئة المالية والمصرفية السورية، سيكون من المهم متابعة ما إذا كانت هذه الأدوات الرقمية والتمويلية ستنجح في الانتقال من خدمات يستخدمها جزء محدود من العملاء إلى بنية مالية يومية تصل بصورة أوسع إلى أصحاب المشروعات والأفراد في مختلف المحافظات السورية.