من صدمة أسعار المحروقات إلى تسعير متعدد للمازوت: هل تبدأ سوريا إعادة هندسة سوق الطاقة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
بعد أربعة أيام فقط من تثبيت سعر المازوت عند 175 ليرة لليتر، أعلنت وزارة الطاقة السورية نموذجاً مختلفاً يقوم على طرح ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار 115 و150 و175 ليرة، بالتوازي مع إعادة تشغيل مصافٍ محلية ورفع طاقة مصفاة بانياس. القرار يتجاوز تخفيض السعر لبعض الفئات، ويشير إلى محاولة الانتقال من إدارة أزمة المحروقات بالسعر وحده إلى إدارة أكثر تعقيداً تجمع بين التسعير الموجه، والإنتاج المحلي، والتكرير، والاستيراد.
ملخص تنفيذي
ما أعلن في 17 أيلول 2026 لا يمثل إلغاءً لسعر المازوت البالغ 175 ليرة، وإنما إنشاء مسارين إضافيين بسعرين أقل يرتبطان بالمواصفة وطبيعة الاستخدام.
المازوت بسعر 115 ليرة سيُوجه بصورة أساسية إلى التدفئة والزراعة والفئات المستحقة، على أن يأتي إنتاجه من عدد من المصافي المحلية التي تستهدف طاقة معالجة إجمالية تصل إلى 35 ألف برميل من النفط الخام يومياً. والنوع الثاني بسعر 150 ليرة سيخصص لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، بينما يستمر المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة.
لكن خلف هذا التعديل توجد مشكلة أكبر: سوريا تحتاج يومياً إلى نحو 7.72 ملايين ليتر من المازوت، بينما يبلغ الإنتاج المحلي نحو 3.09 ملايين ليتر فقط، مقابل 4.63 ملايين ليتر مستوردة، أي أن قرابة 60% من الإمدادات تعتمد على الخارج.
لذلك فإن السؤال الأساسي لم يعد فقط: ما سعر المازوت؟
بل: هل تستطيع سوريا خلال المرحلة المقبلة خفض اعتمادها على الاستيراد من خلال زيادة الإنتاج والتكرير المحليين، وفي الوقت نفسه حماية القطاعات الأكثر تأثراً بكلفة الطاقة؟
من التسعير المرن إلى التسعير المتعدد
من المهم وضع قرار 17 أيلول ضمن مسار بدأ قبل أزمة الأيام الأخيرة.
ففي 16 تموز 2026 أعلنت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية اعتماد آلية مراجعة يومية للأسعار، موضحة أن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير السعر يومياً، وإنما مراجعة المتغيرات العالمية وإجراء التعديل عندما تقتضي الظروف ذلك.
وفي 28 تموز خُفض سعر المازوت إلى 120 ليرة لليتر بالتزامن مع تراجع أسعار النفط عالمياً. ثم في 13 أيلول صدر تعديل مؤقت رفع السعر إلى 175 ليرة، مع تحديد بنزين 90 عند 185 ليرة وبنزين 95 عند 195 ليرة.
وزارة الطاقة بررت الارتفاع الأخير بزيادة كلفة تأمين المشتقات عالمياً وارتفاع النقل والشحن والتأمين، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تمتد نحو شهرين، الأمر الذي خفض قدرة التكرير المحلية مؤقتاً وزاد الحاجة إلى استيراد منتجات نفطية جاهزة.
إذاً، التسعير المرتبط بالكلفة والمتغيرات الخارجية ليس جديداً بالكامل.
الجديد في قرار 17 أيلول هو التخلي جزئياً عن فكرة أن كل استخدامات المازوت يجب أن تحصل على المنتج نفسه بالسعر نفسه.
وهنا تكمن الدلالة الاقتصادية الأهم للقرار.
لماذا كان السعر الموحد مشكلة؟
المازوت في الاقتصاد السوري ليس مجرد وقود للمستهلك النهائي.
فهو يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة في الزراعة، ونقل البضائع، والآليات الثقيلة، والبناء، والإنتاج الصناعي، والمولدات، والخدمات والتدفئة.
لهذا ظهر أثر رفع السعر سريعاً بعد قرار 13 أيلول.
مديرية تنظيم نقل البضائع في وزارة النقل أعلنت أن تعديل أسعار المشتقات، ولا سيما المازوت، أثر بصورة كبيرة في حركة النقل، مشيرة إلى توقف شبه كامل للحركة في عدد من المحافظات بالتزامن مع تحركات من أصحاب الشاحنات.
هذه الحلقة توضح المشكلة الاقتصادية:
عندما ترتفع كلفة المازوت للشاحنة، لا يتحملها الناقل وحده؛ تنتقل إلى أجور الشحن، ثم إلى تكلفة المنتج أو المادة المنقولة، ومن ثم إلى سعر البيع النهائي.
والأمر نفسه ينطبق بدرجات متفاوتة على الزراعة والصناعة والإنشاءات والخدمات.
من هنا يمكن قراءة قرار طرح أنواع مختلفة بأسعار مختلفة باعتباره محاولة لعزل بعض الأنشطة الإنتاجية والحساسة عن كامل صدمة السعر.
ثلاثة أسعار.. لكن ليس بالضرورة ثلاثة أسعار للمنتج نفسه
من المهم هنا تجنب تبسيط القرار على أنه بيع المازوت نفسه بثلاثة أسعار.
الإعلان الرسمي تحدث عن أنواع متعددة بمواصفات مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام.
السعر الأول يبلغ 115 ليرة، وسيخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة.
السعر الثاني يبلغ 150 ليرة، وهو نوع قالت الوزارة إنه جرى تأمينه بالتعاون مع دول شقيقة، وسيخصص لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة.
أما النوع بالمواصفات القياسية فيستمر بسعر 175 ليرة.
وهذا التفريق مهم، لأن مقارنة الأسعار وحدها لا تكفي من دون معرفة المواصفات الفنية لكل نوع والاستخدامات التي يسمح بها.
كما أعلن وزير الطاقة أن تكلفة ليتر المازوت المباع بسعر 175 ليرة تبلغ نحو 206 ليرات، ما يعني، وفق الأرقام المعلنة، أن السعر القياسي نفسه لا يعكس كامل الكلفة التي تحدثت عنها الوزارة.
لكن لا يمكن تطبيق كلفة الـ206 ليرات مباشرة على النوعين الآخرين، لأن مصدرهما ومواصفاتهما وآلية إنتاجهما مختلفة.
الـ35 ألف برميل: ماذا تعني فعلياً؟
أحد أبرز عناصر الخطة هو إعادة تشغيل ما وصفه الإعلان الرسمي بـ«المصافي الكهربائية المحلية»، بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، تحت إدارة وإشراف الشركة السورية للبترول.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
رقم 35 ألف برميل هو طاقة معالجة للنفط الخام، وليس كمية مازوت جاهز ستدخل السوق يومياً.
عملية التكرير تنتج عدة مشتقات، ولا يتحول كامل برميل النفط الخام إلى مازوت.
لذلك ستكون القيمة الفعلية لهذه المصافي مرتبطة بكمية المازوت التي تستطيع إنتاجها بصورة مستقرة، ومواصفاته، ونسبة التشغيل الفعلية، والكميات التي ستصل إلى شبكة التوزيع.
مع ذلك، يحمل القرار أهمية واضحة من زاوية أخرى: الوزارة أعلنت تخصيص كامل إنتاج هذه المصافي من المازوت للشريحة المسعرة عند 115 ليرة.
أي أن القدرة التكريرية الإضافية لن تستخدم فقط لزيادة المعروض، وإنما ستصبح أداة لتمويل دعم موجه لقطاعات محددة.
المشكلة الهيكلية: 60% من المازوت مستورد
هذه ربما أهم نقطة لفهم ما يجري.
وفق أرقام وزارة الطاقة، تحتاج السوق السورية إلى نحو 7.72 ملايين ليتر من المازوت يومياً.
الإنتاج المحلي يوفر نحو 3.09 ملايين ليتر.
أما الاستيراد فيوفر قرابة 4.63 ملايين ليتر.
أي أن حوالي 60% من الإمداد يأتي من الخارج.
وعلى المستوى الأوسع، تقدر احتياجات سوريا بنحو 300 ألف برميل يومياً من النفط والمشتقات، مقابل إنتاج محلي من النفط الخام بنحو 100 ألف برميل يومياً وفق بيانات الوزارة المنشورة في 13 أيلول. كما أوضحت الوزارة أن جزءاً من الخام السوري ثقيل ولا يتوافق بالكامل مع قدرات ومواصفات المصافي الحالية.
وهذه نقطة أساسية في قراءة ملف الطاقة السوري.
فوجود نفط محلي لا يعني تلقائياً إمكانية تحويل كل الكمية إلى بنزين ومازوت صالحين لتلبية الطلب الداخلي.
هناك ثلاث حلقات يجب أن تعمل معاً:
الإنتاج، ثم التكرير، ثم توزيع المشتقات التي يحتاج إليها السوق.
وأي اختلال في واحدة منها يعيد فتح باب الاستيراد.
بانياس: لماذا تعتمد المرحلة المقبلة عليها؟
مصفاة بانياس تمثل القطعة الأكبر في معادلة التكرير الحالية.
المصفاة دخلت عمرة شاملة وصفتها الشركة السورية للبترول بأنها الأولى بهذا الحجم في تاريخها، وتشمل استبدال المفاعل وإعادة تأهيل وحدة التقطير ومحطة القوى ومعدات ومنشآت وأنظمة مرتبطة بالتشغيل والسلامة.
والهدف المعلن ليس إعادة المصفاة إلى وضعها السابق فقط، وإنما رفع طاقتها من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى حوالي 130 ألف برميل.
أي إضافة قدرة اسمية تقارب 50 ألف برميل يومياً، تعادل زيادة تقارب 62.5% عن مستوى الـ80 ألف برميل.
إذا تحققت هذه الزيادة تشغيلياً، ستعزز قدرة سوريا على إنتاج البنزين والمازوت والكيروسين والغاز المسال وغيرها من المشتقات محلياً.
لكن بانياس ليست حلاً منفرداً.
رفع الطاقة التكريرية يحتاج في المقابل إلى كميات مستقرة من الخام الملائم للتكرير، سواء من الإنتاج المحلي أو من الواردات.
لذلك فإن زيادة قدرة المصافي من دون زيادة إنتاج الخام المحلي يمكن أن تغير شكل الاستيراد من مشتقات جاهزة إلى خام للتكرير، لكنها لا تلغي الاعتماد الخارجي بالكامل.
الإنتاج المحلي هو الحلقة الثانية
إعادة بناء سوق الطاقة لا يمكن أن تعتمد على المصافي وحدها.
خلال النصف الأول من 2026، أعلنت بيانات رسمية إنتاج نحو 14 مليون برميل من النفط الخام، وإعادة تشغيل 152 بئراً وإدخال 10 آبار إضافية إلى الإنتاج، بالتوازي مع استمرار استيراد النفط والغاز والمشتقات. كما استوردت سوريا خلال الفترة نفسها 1.5 مليون طن من الخام و598 ألف طن من المازوت و283 ألف طن من البنزين.
وفي مطلع أيلول أعادت الشركة السورية للبترول تشغيل بئرين من أصل خمسة في حقل كونيكو شرق دير الزور، بطاقة تصل إلى 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، في خطوة تستهدف دعم توليد الكهرباء.
الغاز هنا لا يعالج فجوة المازوت مباشرة، لكنه جزء من المعادلة نفسها: كل زيادة مستقرة في إنتاج الطاقة المحلي يمكن أن تقلل جزءاً من الاعتماد على المورد الخارجي وتخفف الضغط على العملة والاستيراد.
هل نحن أمام تراجع عن رفع الأسعار؟
الأدق اقتصادياً القول: لا.
السعر القياسي عند 175 ليرة لم يُلغَ.
ما حدث هو بناء قناتين إضافيتين أقل سعراً لمستخدمين محددين.
لذلك فإن القرار أقرب إلى إعادة تصميم لسياسة التسعير والدعم منه إلى تراجع كامل عن قرار 13 أيلول.
وبدلاً من دعم السوق كلها بالسعر نفسه، يصبح الاتجاه هو توجيه أسعار أقل نحو التدفئة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، مع إبقاء منتج قياسي بسعر أعلى.
هذا النموذج يمكن أن يكون أكثر كفاءة مالياً إذا وصل الدعم فعلاً إلى القطاعات المستهدفة.
لكن هنا تبدأ أصعب مرحلة: التنفيذ.
فارق الأسعار يخلق اختباراً للتوزيع والرقابة
الفارق بين 115 و175 ليرة يبلغ 60 ليرة لكل ليتر.
وبين 150 و175 ليرة يبلغ 25 ليرة.
وجود هذه الفروق لا يمثل مشكلة في حد ذاته إذا كانت المنتجات مختلفة تقنياً واستخداماتها مضبوطة، لكنه يخلق حافزاً لإعادة التوجيه أو البيع متى كانت المواصفات تسمح بالاستخدام البديل وكانت الرقابة ضعيفة.
لذلك فإن نجاح النموذج الجديد سيتوقف على وضوح معايير الاستحقاق، والحصص، والمحطات المعتمدة، والكميات المتاحة، وآليات التتبع والرقابة.
الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أشار إلى بدء إعداد الخطة التنفيذية، وأن البيع سيتم عبر محطات محددة، لكن الإعلان الأول لم يتضمن بعد جدولاً زمنياً تفصيلياً لبدء البيع أو كامل آلية تحديد الكميات والفئات.
وهنا سيكون الفارق بين سعر معلن وسعر متاح فعلياً في السوق أحد أهم مؤشرات نجاح الخطة.
ماذا يعني النموذج الجديد لقطاعات الأعمال؟
بالنسبة للزراعة، فإن توفير مازوت بسعر أقل يمكن أن يخفف جزءاً من تكلفة تشغيل الجرارات والآليات والري والنقل، بحسب آلية تخصيص الكميات.
وبالنسبة للإنشاءات والخدمات والآليات الثقيلة، فإن مسار الـ150 ليرة قد يخفف جانباً من القفزة في تكاليف التشغيل.
أما قطاع النقل، فالصورة تحتاج إلى وضوح أكبر حول الفئات التي ستشملها الكميات المخفضة، لأن النقل يمثل قناة رئيسية لانتقال كلفة الطاقة إلى بقية الاقتصاد.
وبالنسبة للصناعة، لن يكون أثر القرار واحداً على جميع المنشآت؛ فهو سيعتمد على نوع الوقود المستخدم، وحجم الاستهلاك، وإمكانية الوصول إلى الشريحة المخفضة، وحصة الطاقة من إجمالي تكلفة الإنتاج.
لذلك لا يمكن القول إن القرار سيخفض الأسعار العامة تلقائياً.
لكنه قد يساعد على كبح جزء من انتقال صدمة الطاقة إلى تكاليف الإنتاج والنقل إذا كانت الكميات كافية واستهدافها فعالاً.
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
هناك خمسة مؤشرات ستحدد ما إذا كان القرار تحولاً حقيقياً أم استجابة مؤقتة للأزمة:
أولاً: موعد بدء التوزيع الفعلي للمازوت بسعري 115 و150 ليرة، وليس مجرد الإعلان عنهما.
ثانياً: الكميات المتاحة يومياً لكل شريحة، ومدى تغطيتها للاحتياجات الفعلية للقطاعات المستهدفة.
ثالثاً: الإنتاج الحقيقي للمصافي المحلية الجديدة مقارنة بطاقة معالجة الـ35 ألف برميل المعلنة.
رابعاً: موعد عودة مصفاة بانياس ونسبة وصولها الفعلية إلى الطاقة المستهدفة البالغة 130 ألف برميل يومياً.
خامساً: تطور نسبة الاعتماد على الاستيراد، وخصوصاً حصة الواردات من إجمالي إمداد المازوت التي تبلغ حالياً نحو 60%.
إذا بدأت هذه النسبة بالانخفاض بصورة مستدامة، ستكون سوريا قد بدأت معالجة أصل المشكلة.
أما إذا بقيت قريبة من مستوياتها الحالية، فستبقى الأسعار المحلية شديدة الحساسية للأسعار العالمية والشحن والتأمين وسعر الصرف مهما تغيرت آلية التسعير.
ثلاثة مستويات زمنية لقراءة ما سيأتي
على المدى القصير، الهدف هو تخفيف أثر ارتفاع الأسعار وضمان استمرار الإمدادات خلال فترة عمرة بانياس.
على المدى المتوسط، تصبح الأولوية رفع التكرير المحلي عبر عودة بانياس وتشغيل الطاقات الإضافية وتحسين كفاءة المصافي.
أما على المدى الأطول، فلن يتحقق تحول مستدام في سوق الطاقة من دون زيادة إنتاج النفط والغاز المحليين، وتأهيل الحقول والآبار وشبكات النقل والتخزين، وجذب استثمارات قادرة على توسيع القدرة الإنتاجية والتكريرية.
وهذا يتطابق مع الاتجاه الذي أعلنته وزارة الطاقة نفسها عند حديثها عن ضرورة زيادة الإنتاج المحلي وإعادة تأهيل الحقول والمصافي والبنية التحتية لتقليل حساسية السوق للصدمات الخارجية.
من أزمة سعر إلى سؤال أمن طاقة
قرار 17 أيلول مهم، لكنه لا يحسم أزمة المحروقات بمفرده.
قيمته الأساسية أنه يغير طريقة التعامل معها.
بدلاً من النقاش المحصور بين خيارين: دعم السعر أو رفعه، تظهر محاولة لبناء معادلة أكثر مرونة تقوم على اختلاف المواصفات والاستخدامات والأسعار، وربط الدعم بفئات وقطاعات محددة، بالتوازي مع زيادة المعروض المحلي.
هذه المقاربة قد تقلل بعض الاختلالات، لكنها تفتح بدورها أسئلة جديدة حول عدالة التوزيع، والتسرب بين الشرائح، وكفاءة الرقابة، وكفاية الكميات.
أما التحول الحقيقي فسيظهر في مكان آخر: في الحقول والمصافي.
إذا ارتفع الإنتاج المحلي، وعادت بانياس بطاقة أعلى، ودخلت طاقات التكرير الإضافية بصورة مستقرة، وتراجعت حصة الواردات من السوق، يمكن عندها الحديث عن بداية إعادة هيكلة فعلية لمنظومة الطاقة.
أما إذا بقي الاعتماد على الاستيراد قريباً من مستوياته الحالية، فستظل تعديلات الأسعار أداة لإدارة المشكلة أكثر من كونها حلاً لها.
الخلاصة أن السؤال الأكثر أهمية بعد قرار الأسعار الثلاثة لم يعد: هل يباع المازوت بـ115 أم 150 أم 175 ليرة؟
السؤال الأهم هو:
كم من كل ليتر تحتاجه سوريا يمكن إنتاجه وتكريره داخل البلاد بصورة مستقرة وقابلة للاستمرار؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كانت سوريا تعالج أزمة محروقات مؤقتة، أم تبدأ بالفعل إعادة بناء أمنها الطاقي.