من تسوية الديون إلى تمويل المشاريع: هل تدخل سوريا مرحلة إعادة بناء قنوات التمويل الخارجي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
خلال يومي 24 و25 أيلول 2026، ظهرت ثلاثة تطورات مالية واقتصادية تبدو منفصلة عند قراءتها كأخبار يومية، لكنها تلتقي عند ملف واحد أكثر أهمية: قدرة سوريا على إعادة بناء علاقاتها التمويلية الخارجية بعد سنوات من تراكم الديون وتعطل المشاريع وضعف قنوات التمويل والبيانات المالية.
التطور الأول جاء من مباحثات سورية–هندية أعادت إلى الواجهة مشروع محطة تشرين الحرارية ومعمل حديد حماة، بقيمة مرتبطة بالمشروعين تصل إلى نحو 265 مليون دولار، إلى جانب مناقشة الديون القائمة وإمكانية تحويل بعضها إلى استثمارات أو منح. التطور الثاني تمثل في إعادة فتح ملف المديونية مع صندوق أبوظبي للتنمية بعد انقطاع تجاوز 14 عاماً، والاتفاق على إعادة تفعيل اللجنة المالية والفنية لمطابقة الدين وبحث تفعيل اتفاقيات ومشاريع تنموية متوقفة. أما التطور الثالث فكان فنياً ومؤسسياً، مع انتهاء أعمال بعثة لصندوق النقد الدولي ركزت على تطوير إحصاءات مالية الحكومة السورية وفق المعايير الدولية.
الجامع بين هذه المسارات ليس مجرد عودة التواصل مع جهات خارجية، بل ظهور ثلاثة عناصر تحتاج إليها أي عملية أوسع لاستعادة التمويل الخارجي: معالجة الالتزامات القديمة، إعادة فتح المشاريع والقنوات التمويلية، وتحسين قدرة الدولة على عرض بياناتها والتزاماتها ووضعها المالي بصورة قابلة للتقييم.
الهند: من مشاريع معلقة إلى إعادة فتح ملف التمويل والديون
بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع القائمة بأعمال السفارة الهندية في دمشق رينو ياداف واقع تمويل محطة تشرين الحرارية ومعمل حديد حماة، والخطوات الفنية اللازمة لاستكمالهما، إلى جانب معالجة الجوانب المالية المرتبطة بالمشروعين.
المهم في هذا الملف أن الحديث لا يدور عن إعلان استثمار هندي جديد بقيمة 265 مليون دولار، بل عن إعادة فتح مشاريع والتزامات وتمويلات سابقة. وبحسب البيانات المنشورة، قدمت الهند في نهاية 2009 خط ائتمان بقيمة 240 مليون دولار لتمويل 52% من مشروع توسعة محطة تشرين الحرارية بقدرة 2×200 ميغاواط، فيما ارتبط تحديث معمل حديد حماة بخط ائتماني هندي آخر قيمته 25 مليون دولار.
وهذا التمييز أساسي عند تقييم التطور: الرقم البالغ 265 مليون دولار لا يمثل تدفقاً مالياً جديداً إلى الاقتصاد السوري في أيلول 2026، وإنما يعكس الحجم المرتبط بالتمويل التاريخي للمشروعين اللذين عاد ملفهما إلى طاولة البحث.
لكن الجديد يتجاوز مجرد استعراض الالتزامات السابقة. فقد ناقش الجانبان أيضاً إمكانية معالجة الديون القائمة وتحويلها إلى استثمارات أو منح، إلى جانب توسيع حضور الشركات والاستثمارات الهندية في السوق السورية، خصوصاً في القطاعات الصناعية والتقنية.
إذا تطور هذا الطرح إلى آلية فعلية، فإن أهميته ستكون في الانتقال من التعامل مع الدين باعتباره التزاماً مالياً تاريخياً فقط إلى محاولة استخدام تسويته كجزء من استعادة النشاط الاستثماري. إلا أن هذه الإمكانية ما تزال في مرحلة البحث، ولم يُعلن حتى الآن عن اتفاق نهائي لتحويل ديون محددة إلى استثمارات أو منح.
كما أن ملف معمل حديد حماة يحتاج إلى متابعة دقيقة، إذ وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة في آب الماضي مذكرة تفاهم مع شركة إثراء القابضة السعودية لإعادة تأهيل المعمل وتطويره ورفع طاقته الإنتاجية تدريجياً إلى ما لا يقل عن 350 ألف طن سنوياً خلال أربع سنوات.
وهذا يطرح سؤالاً تنفيذياً مهماً: هل يتركز المسار الهندي في معمل حماة على تسوية الالتزامات والديون السابقة، أم يمكن أن يظهر لاحقاً دور هندي جديد يتقاطع مع خطة إعادة التأهيل الحالية؟ الإجابة ستتضح مع انتقال المباحثات من المستوى المالي إلى ترتيبات فنية وتنفيذية محددة.
صندوق أبوظبي للتنمية: معالجة الدين بوابة لإعادة تشغيل العلاقة التنموية
في المسار الثاني، عقد وزير المالية اجتماعاً عن بُعد مع فريق من إدارة صندوق أبوظبي للتنمية، تناول ملف المديونية بعد انقطاع دام أكثر من 14 عاماً، مع الاتفاق على إعادة تفعيل اللجنة المالية والفنية لمطابقة الدين، إضافة إلى بحث زيارة للصندوق إلى سوريا وتفعيل اتفاقيات ومشاريع تنموية متوقفة.
أهمية هذه الخطوة تأتي من أن صندوق أبوظبي ليس شريكاً جديداً لسوريا. فبحسب بيانات الصندوق الرسمية، تعود بداية نشاطه في سوريا إلى عام 1974، وتشمل محفظته التاريخية في البلاد 20 مشروعاً ممولاً بين منح وقروض ميسرة.
لذلك فإن إعادة فتح ملف المديونية يمكن قراءتها بوصفها محاولة لإعادة تشغيل قناة تمويل تنموي قائمة تاريخياً، وليس تأسيس علاقة من نقطة الصفر.
لكن ترتيب الخطوات مهم: مطابقة الدين أولاً، ثم تحديد آلية معالجة الالتزامات، وبعدها يمكن أن يصبح الحديث عن الاتفاقيات المتوقفة أو التمويل الجديد أكثر قابلية للتحول إلى مسار عملي.
وصندوق أبوظبي للتنمية يعمل أساساً عبر أدوات تشمل القروض التنموية الميسرة والمنح وتمويل المشاريع في قطاعات مثل البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والصناعة.
ومن هنا فإن القيمة المحتملة لإعادة تفعيل العلاقة لا ترتبط بحجم المديونية القديمة فقط، بل بما إذا كانت تسويتها ستسمح بعودة مشاريع تنموية جديدة، وخصوصاً في القطاعات ذات الاحتياجات الرأسمالية الكبيرة التي يصعب تمويلها محلياً.
صندوق النقد: التمويل الخارجي يحتاج بيانات وديناً قابلاً للتقييم
المسار الثالث مختلف في طبيعته؛ صندوق النقد الدولي لم يعلن تمويلاً جديداً لسوريا، وإنما يعمل على البنية المؤسسية والمالية التي تسمح بتكوين صورة أكثر موثوقية عن الاقتصاد والمالية العامة.
في 24 أيلول، اختتمت بعثة للمساعدة الفنية أعمالها مع وزارة المالية في مجال إحصاءات مالية الحكومة. وجرى العمل على مواءمة عمليات الموازنة، بما فيها الإيرادات والنفقات والتمويل، مع دليل إحصاءات مالية الحكومة GFSM، وربطها بشجرة الحسابات وإعداد مسودة خارطة طريق لاستكمال تطوير الإحصاءات السورية. وأعلنت وزارة المالية نيتها استخدام هذه المنهجية عند نشر التقرير السنوي الخاص بمتابعة تنفيذ موازنة 2026.
قد يبدو هذا الملف تقنياً مقارنة بمشروع كهرباء أو خط ائتمان، لكنه يرتبط مباشرةً بقدرة أي دولة على التعامل مع المؤسسات المالية والمانحين والمستثمرين.
فالممول الخارجي يحتاج إلى معرفة حجم الإيرادات والإنفاق والتمويل والدين والالتزامات المحتملة، ومدى استدامة المالية العامة، قبل تقييم تمويل مشروع أو تقديم قرض أو ضمان أو حتى الدخول في شراكة طويلة الأجل.
واللافت أن صندوق النقد نفسه ربط في تقييمه لسوريا خلال آب 2026 بين القدرة على حشد التمويل التنموي والتقدم في معالجة الديون الموروثة، مؤكداً في الوقت نفسه الحاجة إلى تحسين جودة البيانات الاقتصادية، وإدارة الدين العام، وإعداد تحليل لاستدامة الدين. كما أشار إلى استمرار الحاجة إلى دعم مالي دولي لمعالجة احتياجات التنمية وإعادة تأهيل البنية التحتية.
بهذا المعنى، يتقاطع المسار الفني لصندوق النقد بصورة مباشرة مع ما يحدث في ملفي الهند وصندوق أبوظبي: الأول يساعد في جعل الوضع المالي والدين أكثر قابلية للقياس والتقييم، فيما يمثل الآخران حالات عملية لاختبار كيفية معالجة الالتزامات القديمة وإعادة تشغيل التمويل.
من «إعادة التواصل» إلى «إعادة بناء قنوات التمويل»
يمكن التمييز بين مرحلتين مختلفتين.
المرحلة الأولى هي إعادة التواصل السياسي والمؤسسي وفتح قنوات الحوار مع الدول والمؤسسات والشركات. أما المرحلة الأكثر تعقيداً فهي تحويل هذا التواصل إلى بنية تمويلية قابلة للعمل: مطابقة الديون، الاتفاق على آليات السداد أو التسوية، تحديد المشاريع القابلة للاستمرار، استكمال الدراسات الفنية، توفير البيانات المالية، إعادة بناء النظام المصرفي، واستعادة القدرة على تنفيذ التحويلات والمدفوعات.
المؤشرات الحالية توحي بأن جزءاً من النشاط بدأ ينتقل إلى هذه المرحلة الثانية، لكن من المبكر اعتبار قنوات التمويل الخارجي قد استعادت عملها بالكامل.
فالفرق كبير بين مناقشة تمويل مشروع وبين بدء السحب من خط تمويل، وبين بحث تحويل الدين إلى استثمار وبين توقيع اتفاق ملزم، وبين إعادة تفعيل لجنة مالية وبين التوصل إلى تسوية فعلية للمبالغ المستحقة.
لماذا يمثل الدين القديم قضية مركزية؟
في الاقتصادات الخارجة من عزلة مالية طويلة، قد تتحول الالتزامات القديمة إلى عائق أمام تمويل جديد إذا لم تكن قيمتها ووضعها القانوني وشروطها وجدول سدادها واضحة.
وهذا ما يجعل مطابقة الدين مع صندوق أبوظبي ومناقشة الديون مع الهند أكثر أهمية من كونها ملفات محاسبية.
التوصل إلى صورة واضحة للديون يتيح الانتقال إلى خيارات متعددة: إعادة الجدولة، التسوية، إعادة الهيكلة، الربط بمشاريع جديدة، أو — في بعض الحالات إذا وافقت الأطراف — تحويل أجزاء من الالتزامات إلى استثمارات أو أشكال أخرى من الدعم.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الخيارات متاحة تلقائياً لسوريا؛ فكل ملف يخضع لاتفاق مستقل مع الجهة الدائنة. لكن تنظيم ملف الدين يصبح شرطاً عملياً قبل بناء تمويل طويل الأجل وأكثر استقراراً.
ماذا يعني ذلك لقطاع الأعمال السوري؟
بالنسبة للشركات السورية، القيمة الحقيقية لأي عودة للتمويل التنموي لا تقتصر على الأموال التي تدخل إلى الموازنة أو إلى مشروع حكومي.
مشروع كهرباء ممول خارجياً يمكن أن يخلق طلباً على الإنشاءات والتجهيزات والنقل والصيانة والخدمات الهندسية وسلاسل التوريد. إعادة تأهيل منشأة صناعية كبيرة يمكن أن تولد طلباً على المواد والخدمات والمقاولين والعمالة والتكنولوجيا. كما أن تحسن البيانات المالية والاقتصادية يقلل جزءاً من حالة عدم اليقين التي تواجه المستثمرين والمصارف والشركات عند تقييم السوق.
وفي حالة الهند تحديداً، فإن الحديث عن توسيع حضور الشركات الهندية في القطاعات الصناعية والتقنية قد يفتح لاحقاً مجالاً لشراكات تجارية وصناعية تتجاوز المشروعين الجاري بحثهما، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بما ستنتجه الاجتماعات المقبلة من ترتيبات ملموسة.
أما بالنسبة للتمويل الخليجي، فإن إعادة تفعيل العلاقة مع صندوق أبوظبي قد تكون مهمة إذا تحولت من تسوية ملفات قديمة إلى دورة جديدة من تمويل المشاريع، خصوصاً أن طبيعة عمل الصندوق تتركز أساساً في المشاريع التنموية طويلة الأجل.
وما الذي يجب مراقبته الآن؟
المؤشرات الحاسمة خلال المرحلة المقبلة هي: إعلان نتائج اللجنة السورية–الإماراتية الخاصة بمطابقة الدين؛ تحديد موعد زيارة صندوق أبوظبي إلى سوريا وما إذا كانت ستنتج عنها مشاريع أو اتفاقيات تمويل؛ الوصول إلى صيغة واضحة لمعالجة التمويل والالتزامات الخاصة بمحطة تشرين ومعمل حديد حماة؛ تحول فكرة تحويل بعض الديون الهندية إلى استثمارات أو منح من نقاش إلى اتفاق محدد؛ نشر بيانات تنفيذ موازنة 2026 وفق منهجية GFSM؛ وتقدم العمل على تحليل استدامة الدين، إلى جانب ظهور أول اتفاقات تمويل خارجية جديدة تتضمن مبالغ وآجالاً وشروطاً وجداول تنفيذ واضحة.
هذه المؤشرات هي التي ستحدد إن كانت التطورات الحالية تمثل مجرد إعادة فتح للملفات القديمة، أم بداية تحول فعلي في قدرة سوريا على الوصول إلى تمويل تنموي خارجي.
الخلاصة
ما يجري حتى الآن لا يعني أن سوريا استعادت بالفعل قنوات التمويل الخارجي بمستوياتها الطبيعية، ولا توجد في التطورات الثلاثة المعلنة دفعة تمويل جديدة يمكن جمعها واعتبارها تدفقاً مالياً جديداً إلى الاقتصاد.
لكن تزامن الملفات يقدم إشارة مختلفة عن مجرد تكثيف اللقاءات الدولية.
مع الهند، يجري الانتقال إلى مناقشة تمويل مشاريع محددة والديون المرتبطة بها.
مع صندوق أبوظبي للتنمية، يجري فتح ملف مديونية متوقف منذ أكثر من 14 عاماً تمهيداً لاستعادة التعاون التنموي.
ومع صندوق النقد الدولي، يجري العمل على البيانات وإدارة المالية العامة والدين، وهي البنية التي تحتاجها الدولة لكي تصبح قابلة للتقييم من الممولين والمؤسسات الدولية.
لذلك يمكن وصف المرحلة الحالية بصورة أدق بأنها مرحلة «إعادة بناء البنية التحتية للتمويل الخارجي» أكثر من كونها عودة مكتملة للتمويل نفسه.
وإذا انتقلت هذه المسارات خلال الأشهر المقبلة من مطابقة الديون والمباحثات الفنية إلى اتفاقيات تسوية وتمويل وصرف فعلي لمشاريع محددة، فستكون تلك هي النقطة التي يمكن عندها الحديث عن انتقال فعلي من استعادة العلاقات الاقتصادية إلى استعادة قنوات التمويل.