إعادة بناء القطاع المصرفي السوري في 2026: من اقتصاد نقدي إلى نظام مالي متصل بالعالم

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
يشهد القطاع المالي والمصرفي السوري في 2026 واحدة من أكثر مراحل التحول كثافة منذ عقود. فخلال أقل من عام انتقلت التطورات من استعادة التواصل عبر شبكة SWIFT وإعادة تفعيل حساب مصرف سوريا المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إلى تشغيل المدفوعات الدولية، وإصدار بطاقة مصرفية سورية مقبولة دولياً، وإقرار إطار جديد للمدفوعات الإلكترونية، وإطلاق مشروع بقيمة 100 مليون دولار مع البنك الدولي لإعادة تأهيل البنية المالية، بالتوازي مع تحركات لاستقطاب مصارف ورؤوس أموال أجنبية.
لكن هذا التقدم لا يعني أن النظام المصرفي السوري أصبح قادراً بعد على تمويل التعافي والاستثمار بالحجم المطلوب. آخر تقييم كمي شامل متاح من البنك الدولي، اعتماداً على بيانات مصرف سوريا المركزي، قدّر إجمالي الأصول المصرفية بنحو 12 مليار دولار في نوفمبر 2024، مع استحواذ المصارف العامة على 69% منها، في وقت ما تزال فيه الوساطة المالية محدودة والاقتصاد شديد الاعتماد على النقد. كما يؤكد صندوق النقد الدولي أن النظام المصرفي ما يزال يعاني اختلالات كبيرة وأن إعادة تأهيله وتقييم الوضع المالي للمصارف أولوية مباشرة.
في المقابل، أصبحت عملية الإصلاح في 2026 أكثر مؤسسية: البنك الدولي خصص 100 مليون دولار لتحديث القطاع؛ المشروع يستهدف الوصول إلى 15 مليون عملية دفع إلكتروني بالتجزئة سنوياً وما لا يقل عن 500 ألف مستخدم فعّال للمدفوعات الرقمية، بينهم 150 ألف امرأة، إضافة إلى مراجعة جودة أصول جميع المصارف العامة والخاصة.
ويظهر هنا السؤال الأهم بالنسبة لقطاع الأعمال: هل تنتقل سوريا من مرحلة إعادة فتح قنوات الدفع والتحويل إلى مرحلة يصبح فيها النظام المصرفي قادراً فعلاً على تعبئة المدخرات، تمويل الشركات، تمويل التجارة والاستثمار، والمشاركة في إعادة الإعمار؟
أولاً: القطاع المصرفي بالأرقام
يبقى نقص البيانات المحدثة أحد التحديات الرئيسية في تقييم القطاع. لذلك يجب التمييز بين الأرقام الهيكلية التي تعود إلى 2024، والتطورات التشغيلية والتنظيمية التي حدثت خلال 2025 و2026.
| المؤشر | القيمة أو الوضع | التاريخ / الملاحظة |
|---|
| إجمالي الأصول المصرفية | نحو 12 مليار دولار | نوفمبر 2024، بيانات المركزي التي أوردها البنك الدولي |
| الناتج المحلي الإجمالي الاسمي | نحو 21.4 مليار دولار | تقدير البنك الدولي لعام 2024 |
| الأصول المصرفية / الناتج | نحو 56% | حساب تقريبي من الرقمين السابقين |
| حصة المصارف العامة من الأصول | 69% | نوفمبر 2024 |
| المصارف الخاصة التقليدية | 19% من الأصول | نوفمبر 2024 |
| المصارف الإسلامية | 12% من الأصول | نوفمبر 2024 |
| المصارف العامة | 6 مصارف | البنك الدولي وتصريحات المركزي |
| المصارف الخاصة | نحو 15 مصرفاً | البنك الدولي وتصريحات المركزي |
| أصول المصارف الخاصة | نحو 3.5 مليارات دولار | بيانات المركزي وفق البنك الدولي |
| منحة تحديث القطاع المالي | 100 مليون دولار | البنك الدولي، أغسطس 2026 |
| الهدف السنوي للمدفوعات الإلكترونية | ≥15 مليون عملية | هدف مشروع البنك الدولي |
| المستخدمون المستهدفون للمدفوعات الرقمية | ≥500 ألف | بينهم 150 ألف امرأة |
| رؤوس الأموال الأجنبية المتوقعة لبنوك جديدة | أكثر من مليار دولار | توقع رسمي، وليس تدفقات منفذة حتى الآن |
| الوفود المهتمة بتأسيس مصارف | 7 وفود | سبتمبر 2026 |
| الحد الأدنى لحصة الشريك المصرفي الاستراتيجي | 10% | ضمن شروط الترخيص المعلنة للمصارف الجديدة |
| إمكانية الاحتفاظ برأس المال المدفوع بالعملة الأجنبية | حتى 60% | بحسب تصريحات حاكم المركزي |
| برامج ومبادرات استراتيجية المركزي 2026–2030 | أكثر من 30 | ضمن الاستراتيجية الخمسية |
ماذا تخبرنا هذه الأرقام؟
وجود أصول مصرفية تساوي قرابة 56% من الناتج لا يعني أن النظام المصرفي يؤدي دوراً تمويلياً مكافئاً لهذا الحجم. البنك الدولي وصف الوساطة المالية بأنها محدودة، بينما تشير دراسة حديثة لمعهد الشرق الأوسط، استناداً إلى بيانات معلنة، إلى أن قروض العملاء لا تتجاوز بقليل 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن القروض المتعثرة كانت تقارب 42% من إقراض المصارف العامة في نهاية 2023. كما قدرت الانتشار بنحو أربعة فروع مصرفية وخمسة أجهزة صراف آلي لكل 100 ألف بالغ. هذه أرقام ينبغي التعامل معها كمؤشرات تقديرية إلى حين ظهور نتائج التقييمات المصرفية الجديدة.
وهنا تظهر المشكلة الهيكلية: القطاع يمتلك ميزانيات مصرفية، لكنه لم يكن يحول هذه الميزانيات بكفاءة إلى ائتمان منتج للاقتصاد.
ثانياً: هيكل الأصول يكشف استمرار الثقل الكبير للمصارف العامة
اعتماداً على إجمالي أصول قريب من 12 مليار دولار، يمكن تقريب هيكل القطاع كالتالي:
| نوع المصرف | الحصة من الأصول | قيمة تقريبية مشتقة |
|---|
| المصارف العامة | 69% | نحو 8.3 مليارات دولار |
| المصارف الخاصة التقليدية | 19% | نحو 2.3 مليار دولار |
| المصارف الإسلامية | 12% | نحو 1.4 مليار دولار |
| الإجمالي | 100% | نحو 12 مليار دولار |
القيم الدولارية في الجدول حسابية تقريبية وليست أرقام ميزانيات مدققة لكل فئة؛ إذ إن البنك الدولي نفسه يشدد على محدودية البيانات الموثوقة وعلى أن مراجعات جودة الأصول والفحص المالي الشامل لم تكن قد أجريت عند إعداد تقييمه.
وهذا التركيب يعني أن إصلاح المصارف العامة ليس ملفاً جانبياً. فإذا بقي نحو ثلثي النظام المصرفي من حيث الأصول غير قادر على منح الائتمان بكفاءة أو يعاني مشكلات في جودة الأصول والحوكمة والأنظمة، فلن يكون دخول عدد من المصارف الخاصة الجديدة وحده كافياً لإعادة بناء الوساطة المالية.
ثالثاً: حجم القطاع أمام احتياجات إعادة الإعمار
قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار المادي في سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2024. البنك الدولي
بالمقارنة مع أصول مصرفية تقارب 12 مليار دولار، تظهر فجوة الحجم بوضوح:
| المقارنة | القيمة |
|---|
| تكلفة إعادة الإعمار المقدرة | 216 مليار دولار |
| إجمالي الأصول المصرفية وفق خط أساس 2024 | نحو 12 مليار دولار |
| حجم احتياجات الإعمار مقابل الأصول المصرفية | نحو 18 ضعفاً |
| الأصول المصرفية كنسبة من كلفة الإعمار | نحو 5.6% |
هذه المقارنة لا تعني أن المصارف مطالبة بتمويل 216 مليار دولار؛ فالاستثمار المباشر والصناديق وتمويل التنمية والأسواق المالية والشراكات والتمويل الخارجي كلها مصادر متوقعة. لكنها تكشف أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تعتمد على النظام المصرفي المحلي بصورته الحالية.
الوظيفة الأهم للمصارف ستكون مضاعفة أثر رؤوس الأموال: إدارة المدفوعات والتجارة، خلق الائتمان، تمويل رأس المال العامل، إصدار الضمانات، تمويل المشاريع، جذب الودائع، وربط رؤوس الأموال الخارجية بالاقتصاد المحلي.
رابعاً: 2025–2026… مسار زمني سريع لإعادة الاتصال المالي
اللافت في 2026 ليس أي حدث منفرد، بل سرعة تراكم الخطوات فوق بعضها.
| التاريخ | التطور | الدلالة |
|---|
| نوفمبر 2025 | استئناف مراسلات مصرف سوريا المركزي عبر SWIFT بعد توقف 14 عاماً | استعادة قناة الاتصال المصرفية الدولية الأساسية |
| ديسمبر 2025 | Visa والمركزي يضعان خارطة طريق للمدفوعات الرقمية | الانتقال إلى إعداد بنية قبول وإصدار قابلة للتشغيل دولياً |
| فبراير 2026 | Visa Connect Syria وورشة فنية مع المركزي | العمل على التشغيل البيني والأمن ومكافحة الاحتيال والبنية التقنية |
| 26 فبراير 2026 | اتفاق وزارة الاتصالات مع Visa | مدفوعات رقمية، شمول مالي، FinTech، Sandbox وأمن سيبراني |
| فبراير/مارس 2026 | إعادة تفعيل حساب المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك | خطوة نحو التحويلات والتسويات والعلاقات المالية الدولية |
| 6 مايو 2026 | إطلاق استراتيجية المركزي 2026–2030 | أكثر من 30 برنامجاً ومبادرة وخمس ركائز للإصلاح |
| 6 أغسطس 2026 | إقرار مشروع البنك الدولي لتحديث القطاع | تمويل بقيمة 100 مليون دولار وإصلاح مؤسسي وتقني واسع |
| 19 أغسطس 2026 | اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني | إطار ترخيص وتنظيم لمقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي الأنظمة |
| 27 أغسطس 2026 | أول عملية دفع دولية عبر Mastercard منذ أكثر من 15 عاماً | الانتقال من إعادة الاتصال التقني إلى التشغيل الفعلي |
| 13 سبتمبر 2026 | QNB سوريا يصدر بطاقة Mastercard محلية مقبولة دولياً | بداية الانتقال من قبول بطاقات الخارج إلى إصدار محلي بقدرات دولية |
| 16 سبتمبر 2026 | أول تمويل مصرفي إسلامي مجمع بعد التحرير | عودة أدوات التمويل المشترك للمشاريع |
| 23 سبتمبر 2026 | الإعلان عن اهتمام 7 وفود مصرفية بالدخول إلى السوق | توسع محتمل في قاعدة المؤسسات المصرفية |
| 27 سبتمبر 2026 | توقع أكثر من مليار دولار لرؤوس أموال مصارف جديدة | رفع محتمل لقدرة القطاع الرأسمالية إذا تحولت الطلبات إلى تراخيص واستثمارات فعلية |
| 1 أكتوبر 2026 | طاولة مصرفية سورية–أميركية في نيويورك | الانتقال إلى بحث الامتثال والاتصال المالي مع المؤسسات الأميركية |
| 2 أكتوبر 2026 | مباحثات مع JPMorgan | بحث العلاقات المصرفية وقنوات الدفع والتحويلات الدولية |
| 3 أكتوبر 2026 | مباحثات سورية–Mastercard لتوسيع المدفوعات الحكومية | انتقال النقاش إلى الضرائب والرسوم والمشتريات والرواتب الحكومية |
المغزى هو أن مسار الإصلاح بدأ يتحول من سلسلة تفاهمات إلى بنية مؤسساتية وتشغيلية. لكن اكتمال هذه البنية ما يزال مرتبطاً بملفات أصعب من تشغيل البطاقات، وعلى رأسها صحة ميزانيات البنوك، والائتمان، والامتثال، والمصارف المراسلة.
خامساً: مشروع الـ100 مليون دولار… ما الذي يُعاد بناؤه فعلياً؟
مشروع تحديث القطاع المالي السوري الذي أقره البنك الدولي في أغسطس 2026 مهم لأنه لا يركز فقط على أدوات دفع يستخدمها الأفراد، بل يتناول طبقات أساسية من النظام المالي.
يشمل المشروع بنية المدفوعات والأسواق المالية، والبنية الائتمانية، والنظام المصرفي الأساسي والتكنولوجيا والأمن السيبراني في مصرف سوريا المركزي، وتعزيز الرقابة القائمة على المخاطر، وتطوير القدرات المرتبطة بالنزاهة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يتضمن Asset Quality Reviews مستقلة تشمل كامل النظام المصرفي، العام والخاص. البنك الدولي
وهذا الجانب قد يكون أكثر أهمية من رقم التمويل نفسه.
فمراجعة جودة الأصول ستساعد في الإجابة عن أسئلة لا توجد لها اليوم بيانات عامة موثوقة بما يكفي: ما حجم القروض غير القابلة للتحصيل فعلياً؟ ما حجم المخصصات المطلوبة؟ ما البنوك التي تحتاج رسملة؟ وما المؤسسات القادرة على العودة إلى الإقراض دون معالجة ميزانياتها أولاً؟
وبالتالي فإن 100 مليون دولار ليست رأسمالاً لإقراض الشركات؛ بل استثمار في البنية التي يجب أن تجعل النظام المالي قابلاً للعمل والرقابة والتوسع.
سادساً: المدفوعات الرقمية… التحول الأسرع داخل القطاع
إذا كانت إعادة الإقراض تحتاج وقتاً، فإن المدفوعات تبدو المسار الأسرع.
قرار رقم 1124 لعام 2026 أسس إطاراً تنظيمياً لثلاث فئات رئيسية: مقدمي خدمات الدفع، مقدمي خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلي أنظمة الدفع. كما نص على متطلبات تتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدم، وأتاح اختبار حلول مالية مبتكرة ضمن بيئة تنظيمية تجريبية قبل توسيع استخدامها.
بالتوازي، دخلت Visa وMastercard على خطوط متعددة. اتفاق وزارة الاتصالات وVisa شمل الشمول المالي والـFinTech والأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال وتطوير Sandbox تنظيمي، مع اهتمام خاص برقمنة معاملات الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما Mastercard، فانتقلت من إعادة الربط التقني إلى تنفيذ أول عملية دفع دولية في 27 أغسطس، ثم إلى إصدار بطاقة محلية مقبولة دولياً عبر QNB سوريا في 13 سبتمبر.
وفي 3 أكتوبر اتسع النقاش ليشمل استخدام البنية الرقمية في تحصيل الضرائب والرسوم، المشتريات والمدفوعات الحكومية، وصرف الرواتب والأجور.
إذا نُفذت هذه المسارات على نطاق واسع، فالأثر يتجاوز راحة استخدام البطاقة. رقمنة المدفوعات الحكومية والتجارية يمكن أن تزيد قابلية تتبع التدفقات، تخفض التعامل النقدي، توسع قاعدة البيانات المالية، وتمنح المصارف لاحقاً معلومات أفضل لبناء منتجات ائتمانية.
لكن عدد البطاقات أو وجود Visa وMastercard لا يكفي وحده لقياس نجاح التحول. المؤشرات الأهم ستكون عدد المستخدمين النشطين، عدد وقيمة المعاملات، عدد نقاط القبول، نسبة المدفوعات الحكومية الرقمية، وانتشار الخدمات خارج المدن الرئيسية.
سابعاً: من SWIFT إلى المصارف المراسلة… الفرق جوهري
إعادة تشغيل SWIFT خطوة مهمة، لكنها لا تعني تلقائياً أن كل مصرف سوري أصبح قادراً على تحويل الأموال عبر أي بنك في العالم.
SWIFT في جوهره شبكة آمنة لتبادل الرسائل المالية. أما تنفيذ التحويلات والتسويات فيحتاج إلى علاقات مصرفية مراسلة وحسابات واتفاقيات وعمليات امتثال ومراقبة مخاطر.
لذلك تتجه المرحلة الحالية إلى الملف الأصعب: إقناع البنوك الدولية بأن العلاقات مع المؤسسات السورية أصبحت قابلة للإدارة من زاوية الامتثال والمخاطر.
في الأول من أكتوبر عقدت وزارة الخزانة الأميركية في نيويورك طاولة مصرفية بحضور وزير المالية السوري وحاكم مصرف سوريا المركزي ومؤسسات مالية ومقدمي خدمات دفع أميركيين. وركزت المناقشات على أوجه القصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والإجراءات السورية لمعالجتها.
كما عرض الجانب السوري في اجتماعات لاحقة تقييماً للفجوات أعدته شركة Oliver Wyman، وبحث وفد المركزي بصورة منفصلة مع JPMorgan تطوير العلاقات المصرفية وقنوات المدفوعات والمعاملات الدولية.
هذه التطورات تشير إلى أن الاختبار المقبل ليس تقنياً فقط، بل اختبار ثقة وامتثال.
ثامناً: FATF قد يكون أحد أهم الملفات الاقتصادية رغم طبيعته الرقابية
يشدد صندوق النقد الدولي على أن تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والخروج من القائمة الرمادية لـFATF عامل مهم لإعادة سوريا إلى النظام المالي الدولي وتسهيل تدفقات الاستثمار والأموال.
وفي يوليو 2026 زار وفد رفيع من MENAFATF دمشق لدعم الاستعدادات لعملية التقييم المتبادل، وهي أول زيارة رسمية من نوعها للمجموعة إلى سوريا منذ 2010. وتستعد سوريا لتقييم متبادل خلال 2027.
هذا الملف له أثر اقتصادي مباشر. فالمصرف الأجنبي الذي يفكر في فتح علاقة مراسلة لا ينظر فقط إلى رفع القيود القانونية؛ بل إلى جودة إجراءات Know Your Customer، المستفيد الحقيقي، مراقبة التحويلات، العقوبات المتبقية، مخاطر غسل الأموال، الرقابة الداخلية واستقلالية وحدات الامتثال.
لذلك فإن الخروج من العزلة القانونية لا يساوي تلقائياً الخروج من العزلة المصرفية.
تاسعاً: المصارف الجديدة… هل تغير حجم السوق؟
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي في 27 سبتمبر أن رؤوس الأموال الأجنبية المتوقع دخولها لتأسيس مصارف جديدة قد تتجاوز مليار دولار خلال الفترة المقبلة.
وفق التصريحات المعلنة، تشمل المتطلبات وجود شريك مصرفي استراتيجي بحصة لا تقل عن 10%، فيما يسمح للمستثمرين الأجانب بالاحتفاظ بما يصل إلى 60% من رأس المال المدفوع بالعملة الأجنبية، مع ضمانات لتحويل الأرباح وحرية التعامل بالقطع الأجنبي وفق الإطار القانوني. كما كانت سبعة وفود قد أبدت اهتماماً بإنشاء مصارف، وقدمت بنوك أردنية طلبات للاستثمار.
رقم المليار دولار مهم، لكن يجب تفسيره بدقة: هو توقع رسمي لرؤوس أموال قد تدخل، وليس مليار دولار دخلت بالفعل إلى القطاع.
وإذا تحقق الرقم بالكامل، فإنه يعادل حسابياً أكثر من 8% من إجمالي الأصول المصرفية البالغة نحو 12 مليار دولار وفق خط أساس 2024. المقارنة تقريبية لأن رأس المال ليس أصولاً مصرفية ولأن سنة القياس مختلفة، لكنها توضح أن دخول بنوك إقليمية ذات ملاءة وتقنيات وقدرات امتثال يمكن أن يكون ذا أثر ملموس.
والأهمية قد لا تكون في المال وحده. المصرف الإقليمي يستطيع أن يجلب معه علاقات مراسلة، أنظمة Core Banking، تقنيات إدارة المخاطر، منتجات تمويل تجارة، خبرة في الاعتمادات والضمانات، ومنهجيات ائتمانية حديثة.
عاشراً: أول إشارات عودة التمويل المصرفي للمشاريع
في 16 سبتمبر جرى الإعلان عن أول تمويل مصرفي إسلامي مجمع للمشاريع بعد التحرير، بمشاركة بنك البركة–سوريا وQNB سوريا والمصرف التجاري السوري، لتمويل نفقات مشروع نفق المجتهد–باب مصلى واستكمال المرحلة الأخيرة من مشروع رحلة قاسيون.
لا تكمن أهمية الحدث في مشروعين بعينهما، وإنما في عودة مفهوم التمويل المجمع Syndicated Financing الذي يسمح لأكثر من مصرف بتقاسم المخاطر وتمويل مشروعات أكبر من قدرة مصرف واحد.
وإذا تطورت هذه الأدوات، فقد تصبح مهمة لمشروعات الطاقة والنقل والإسكان والمناطق الصناعية والبنية التحتية. لكن نجاحها يحتاج إلى تقييم ائتماني، عقود قابلة للإنفاذ، تدفقات نقدية واضحة، ضمانات، تسعير للمخاطر، ومصارف ذات ميزانيات سليمة.
الحادي عشر: فجوة التمويل هي الاختبار الحقيقي
الصورة الأساسية في 2026 يمكن اختصارها بمفارقة واضحة:
شبكات الدفع تعود بسرعة أكبر من قدرة النظام المصرفي على خلق الائتمان.
صندوق النقد الدولي وصف النظام المصرفي بأنه شديد الاختلال، وأشار إلى أن هذا الوضع يقيّد السياسة النقدية نفسها. ودعا إلى الإسراع في إعادة تأهيل المصارف، وإعداد قوانين جديدة للمصرف المركزي والقطاع المصرفي، وإجراء تقييم شامل للصحة المالية للبنوك وتعزيز الرقابة.
في الوقت نفسه يتوقع الصندوق نمواً اقتصادياً من خانتين في 2026 واستمرار نمو قوي في 2027، بينما قدرت وزارة المالية السورية النمو لعام 2026 بنحو 11.3%.
وهنا تظهر فجوة محتملة: اقتصاد يتوسع ويستقبل مشاريع واستثمارات جديدة يحتاج إلى تمويل رأس مال عامل وتمويل تجارة وتمويل معدات وضمانات وائتمان استثماري. إذا لم ينمُ القطاع المالي بالتوازي، فقد تصبح ندرة التمويل المحلي أحد محددات توسع القطاع الخاص.
الثاني عشر: خريطة الفرص التي تنشأ حول القطاع المالي
| المسار | الفرصة المحتملة | ما يحرك الطلب |
|---|
| البنية المصرفية | Core Banking، Data، Cloud، مراكز بيانات | تحديث المصارف والمركزي |
| المدفوعات | POS، SoftPOS، بوابات دفع، محافظ | توسع Visa وMastercard والإطار التنظيمي |
| FinTech | شركات دفع ونقود إلكترونية وحلول مبتكرة | القرار 1124 والـSandbox |
| الأمن السيبراني | حماية المعاملات والهوية وإدارة الاحتيال | التوسع الرقمي ومعايير الشبكات الدولية |
| RegTech | KYC، AML، مراقبة العمليات | FATF والمصارف المراسلة |
| الائتمان | بنية معلومات وائتمان وتقييم مخاطر | مشروع البنك الدولي والحاجة للتوسع في الإقراض |
| تمويل التجارة | اعتمادات، ضمانات، تحصيل وتحويلات | عودة العلاقات المصرفية الخارجية |
| تمويل المشاريع | تمويل مجمع وإسلامي وتمويل بنية تحتية | ضخامة احتياجات التنمية والإعمار |
| الاستشارات والمراجعة | AQR، تدقيق، مخاطر، حوكمة | إعادة تأهيل القطاع |
| التدريب | امتثال، مخاطر، خزينة، عمليات مصرفية | نقص القدرات بعد سنوات العزلة |
البنك الدولي نفسه يضع البنية الائتمانية، الرقابة القائمة على المخاطر، الأنظمة التقنية، الأمن السيبراني والنزاهة المالية ضمن محاور المشروع الجديد، ما يجعل جزءاً كبيراً من هذه الفرص ناتجاً عن احتياجات تنفيذية معلنة وليست توقعات مجردة.
الثالث عشر: أين تتركز المخاطر؟
| الخطر | وضعه الحالي | أثره على الأعمال |
|---|
| جودة أصول المصارف | غير محسومة حتى اكتمال AQR | قد تحد من الإقراض والرسملة |
| المصارف العامة | تملك 69% من الأصول وفق خط أساس 2024 | إصلاحها مؤثر في النظام ككل |
| البيانات | نقص واضح في البيانات المالية الحديثة | يصعّب تقييم المخاطر والتسعير |
| الائتمان | وساطة مالية ضعيفة | يقل التمويل المتاح للشركات |
| FATF والامتثال | عملية إصلاح وتقييم مستمرة | تؤثر على المراسلين والتحويلات |
| الاعتماد على النقد | ما يزال مرتفعاً | يقلل الكفاءة والشفافية المالية |
| العلاقات المراسلة | في طور إعادة البناء | التحويل الدولي لم يعد مسألة تقنية فقط |
| الأمن السيبراني | يزداد أهمية مع الرقمنة | مخاطر تشغيل واحتيال جديدة |
| سرعة التنفيذ | عدد كبير من البرامج المتزامنة | خطر الفجوة بين الإعلان والتطبيق |
من أهم نتائج البحث أن بعض أكثر الأرقام التي يرغب المستثمر عادة بمعرفتها — كحجم القروض المتعثرة الحالي لكل مصرف، كفاية رأس المال، السيولة، توزيع الائتمان حسب القطاعات، ونسبة الائتمان إلى الناتج في 2026 — لا تتوفر بعد بصورة رسمية مجمعة ومحدثة تسمح باستخدامها بثقة عالية.
وهذا ليس نقصاً تحريرياً ينبغي ملؤه بالتقدير؛ بل جزء من واقع القطاع نفسه.
الرابع عشر: خمسة تحولات يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة
المقياس الأول سيكون نتائج مراجعات جودة الأصول. فهي التي ستحدد الفرق بين مصرف يمتلك أصولاً اسمية ومصرف قادر فعلياً على الإقراض.
المقياس الثاني هو تحول الاهتمام بالمصارف الجديدة إلى تراخيص ورؤوس أموال مدفوعة فعلياً. رقم المليار دولار سيصبح مؤشراً اقتصادياً مهماً فقط عندما تبدأ الاستثمارات بالتحقق.
الثالث هو عدد ونوعية العلاقات مع البنوك المراسلة. فهذا المؤشر أقوى من مجرد توفر SWIFT، لأنه يحدد قدرة المصارف السورية على إجراء التجارة والتحويلات والتسويات من خلال قنوات مصرفية طبيعية.
الرابع هو حجم استخدام المدفوعات الرقمية لا مجرد توفرها. ولهذا تعد أهداف البنك الدولي البالغة 15 مليون عملية سنوية و500 ألف مستخدم فعّال خطوط قياس مهمة للسنوات المقبلة. البنك الدولي
أما الخامس فهو الائتمان الموجه إلى الاقتصاد الحقيقي: الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والإسكان والمشاريع الاستثمارية. نجاح الإصلاح المصرفي لا يقاس بعدد البطاقات المصدرة بقدر ما يقاس بقدرة النظام على نقل المدخرات ورؤوس الأموال إلى أنشطة منتجة.
الخامس عشر: ثلاثة سيناريوهات للمسار القادم
السيناريو الأساسي: إعادة اندماج تدريجية
وهو الأقرب في المرحلة الحالية: استمرار توسع المدفوعات الإلكترونية والعلاقات المراسلة بصورة تدريجية، دخول عدد محدود من المصارف أو المستثمرين الجدد، تقدم مراجعة جودة الأصول، وبداية نمو الائتمان من قاعدة شديدة الانخفاض.
سيناريو التسارع
يمكن أن يحدث إذا اجتمعت عدة عوامل: نتائج مصرفية قابلة للمعالجة، تقدم سريع في ملف FATF، عودة مصارف مراسلة رئيسية، دخول رؤوس الأموال المصرفية المعلنة، واستقرار البيئة الاقتصادية والتنظيمية. عندها قد ينتقل القطاع من تحديث المدفوعات إلى توسع أسرع في تمويل الشركات والتجارة والمشاريع.
سيناريو التعثر
قد يظهر إذا كشفت مراجعات الأصول فجوات رأسمالية كبيرة، أو تأخرت معالجة الامتثال، أو ظلت العلاقات المراسلة محدودة، أو توسعت المدفوعات الرقمية دون نمو مماثل في الثقة والودائع والائتمان.
هذه السيناريوهات ليست توقعات رقمية، وإنما إطار لمتابعة المتغيرات التي ستحدد اتجاه القطاع.
الخلاصة: 2026 قد يكون عام إعادة فتح النظام المالي… وليس بعد عام اكتمال إصلاحه
يمكن النظر إلى التحول المصرفي السوري في 2026 على ثلاث طبقات.
الطبقة الأولى تحققت فيها خطوات ملموسة: SWIFT، إعادة تفعيل حساب المركزي في نيويورك، عودة شبكات الدفع الدولية، وبداية إصدار بطاقات قابلة للاستخدام خارجياً.
الطبقة الثانية يجري بناؤها الآن: قوانين المدفوعات، البنية الرقمية، الرقابة المصرفية، مكافحة غسل الأموال، مراجعة جودة الأصول، العلاقات المراسلة، ودخول مصارف ورؤوس أموال جديدة.
أما الطبقة الثالثة، وهي الأهم للاقتصاد، فلم يُحسم نجاحها بعد: تحويل القطاع المصرفي إلى مصدر فعلي للتمويل والائتمان والاستثمار.
وهذا هو الفارق بين نظام قادر على تمرير المدفوعات ونظام مالي قادر على تمويل اقتصاد.
مع تكلفة إعادة إعمار مقدرة بنحو 216 مليار دولار، واقتصاد يتوقع له صندوق النقد نمواً من خانتين في 2026، فإن سوريا لا تحتاج فقط إلى بطاقات وتحويلات أسرع؛ بل إلى مصارف سليمة وقابلة للرسملة، بنوك مراسلة، معلومات ائتمانية، رقابة فعالة، تمويل تجارة، تمويل مشاريع وأسواق مالية تستطيع تعبئة رؤوس الأموال.
لذلك قد تكون العلامة الأهم التي يجب مراقبتها خلال 2027 ليست عدد بطاقات Visa أو Mastercard، بل سؤال أبسط وأعمق:
كم أصبح القطاع المصرفي السوري قادراً على تمويل الاقتصاد الحقيقي؟