تقدّم سوريا في مؤشر حرية الصحافة 2026: ماذا يعني المؤشر الاقتصادي الفرعي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
أثار تقدم سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود اهتماماً واسعاً، خصوصاً مع تداول أرقام تشير إلى تحسن ترتيب سوريا في ما يسمى “المؤشر الاقتصادي” من المرتبة 179 عام 2025 إلى المرتبة 107 عام 2026.
لكن قراءة هذا الرقم تحتاج إلى دقة. فالمؤشر الاقتصادي هنا لا يعني أن الاقتصاد السوري، بوصفه اقتصاداً كلياً، تحسن من مرتبة إلى أخرى، ولا يقيس الناتج المحلي أو التضخم أو الاستثمار أو مستوى الدخل. بل هو مؤشر فرعي داخل مؤشر حرية الصحافة، ويقيس البيئة الاقتصادية التي تعمل ضمنها وسائل الإعلام والصحفيون.
بمعنى آخر: الرقم مهم، لكنه لا يجب أن يُقرأ خارج سياقه.
ماذا حدث في ترتيب سوريا؟
بحسب بيانات منظمة مراسلون بلا حدود، تقدمت سوريا في الترتيب العام لمؤشر حرية الصحافة لعام 2026 إلى المرتبة 141 من أصل 180 دولة، بعد أن كانت في المرتبة 177 من أصل 180 عام 2025. كما ارتفعت درجة سوريا العامة من 15.82 عام 2025 إلى 39.44 عام 2026.
وعلى مستوى المؤشرات الفرعية، سجلت سوريا في نسخة 2026 النتائج الآتية:
| المؤشر | ترتيب سوريا 2025 | ترتيب سوريا 2026 |
|---|
| الترتيب العام | 177 | 141 |
| المؤشر السياسي | 170 | 103 |
| المؤشر الاقتصادي | 179 | 107 |
| المؤشر القانوني | 177 | 139 |
| المؤشر الاجتماعي | 173 | 134 |
| مؤشر السلامة | 178 | 154 |
وتوضح هذه الأرقام أن التحسن لم يكن محصوراً في مؤشر واحد، بل شمل المؤشرات الخمسة التي يعتمدها التصنيف. وقد ذكرت وكالة سانا، نقلاً عن مراسلون بلا حدود، أن المؤشر الاقتصادي لسوريا وصل إلى المرتبة 107 عام 2026 مقارنة بالمرتبة 179 عام 2025، وليس 178 كما جرى تداوله في بعض الصيغ.
ما المقصود بالمؤشر الاقتصادي في تقرير مراسلون بلا حدود؟
تعتمد منظمة مراسلون بلا حدود في مؤشر حرية الصحافة على خمسة مؤشرات فرعية: السياسي، القانوني، الاقتصادي، الاجتماعي الثقافي، والسلامة. وتوضح منهجية المؤشر أن الغرض منه هو قياس مستوى الحرية المتاحة للصحفيين ووسائل الإعلام في اختيار الأخبار وإنتاجها ونشرها باستقلال، بعيداً عن التدخلات السياسية أو الاقتصادية أو القانونية أو الاجتماعية أو التهديدات الأمنية.
أما المؤشر الاقتصادي تحديداً، فيقيس القيود الاقتصادية التي تؤثر في عمل الإعلام، مثل صعوبة إنشاء وسيلة إعلامية، المحاباة في الدعم والإعلانات، الفساد، ضغوط المعلنين والشركاء التجاريين، وتأثير مالكي وسائل الإعلام عندما يسعون إلى حماية مصالحهم التجارية.
لذلك، لا يصح التعامل مع هذا المؤشر بوصفه مؤشراً على نمو الاقتصاد السوري أو تحسن بيئة الاستثمار أو زيادة الإنتاج. هو يقيس زاوية محددة جداً: مدى تحسن أو تراجع البيئة الاقتصادية المحيطة بالعمل الإعلامي والصحفي.
لماذا تقدم ترتيب سوريا في 2026؟
يربط تقرير مراسلون بلا حدود التحسن الكبير في ترتيب سوريا بسياق ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وما تبعه من تحولات في بيئة العمل الصحفي. وتشير صفحة سوريا في التقرير إلى أن سقوط النظام أنهى عقوداً من القمع العنيف للصحافة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن حرية الصحفيين ما تزال هشة بسبب عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
كما يذكر التقرير أن عدداً من وسائل الإعلام التي كانت تعمل من الخارج أو من مناطق خارج سيطرة النظام عادت إلى الواجهة، وأن معظم وكالات الأنباء الدولية استأنفت عملها من دمشق بعد سقوط النظام.
هذه المعطيات تفسر التحسن النسبي في بيئة العمل الإعلامي، لكنها لا تعني أن بنية الإعلام أصبحت مستقرة بالكامل، ولا أن البيئة الاقتصادية العامة أصبحت متعافية.
ما الذي لا يعنيه هذا الرقم؟
من المهم وضع حدود واضحة لقراءة المؤشر. تقدم سوريا من المرتبة 179 إلى 107 في المؤشر الاقتصادي الفرعي لا يعني:
- أن الاقتصاد السوري قفز عالمياً في مؤشرات النمو أو الاستثمار.
- أن التضخم أو أسعار الصرف أو البطالة تحسنت بناءً على هذا المؤشر.
- أن بيئة الأعمال أصبحت مستقرة بمجرد تحسن ترتيب مرتبط بحرية الصحافة.
- أن المؤشر يقيس القدرة الشرائية أو إنتاج القطاعات أو مستوى الصادرات.
- أن المستثمر يستطيع استخدامه وحده لتقييم السوق السوري.
لذلك، فإن استخدام عبارة مثل “تحسن الاقتصاد السوري من 179 إلى 107 وفق مراسلون بلا حدود” يعد استخداماً غير دقيق، لأنه يختصر مؤشراً إعلامياً فرعياً في دلالة اقتصادية عامة لا يحملها التقرير.
ما الذي يعنيه هذا التقدم لبيئة الأعمال؟
رغم أن المؤشر لا يقيس الاقتصاد الكلي، إلا أنه يملك دلالة غير مباشرة على بيئة الأعمال. فحرية الصحافة وتوفر المعلومات واستقلالية الإعلام عناصر تساعد على تحسين الشفافية العامة، وتوسيع تدفق المعلومات، وتقليل الغموض حول القرارات والأسواق والقطاعات.
بالنسبة للمستثمر أو صاحب الشركة، لا تكفي حرية الصحافة وحدها لاتخاذ قرار اقتصادي، لكنها جزء من صورة أوسع تشمل:
- القدرة على الوصول إلى معلومات موثوقة.
- وجود إعلام قادر على متابعة السياسات والقرارات.
- تحسن مساحة النقاش العام حول الاقتصاد.
- إمكانية رصد المشكلات والفرص بصورة أكثر وضوحاً.
- تراجع بعض أشكال الانغلاق المعلوماتي التي كانت تؤثر في قراءة السوق.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تقدم سوريا في المؤشر بوصفه إشارة إيجابية ضمن ملف أوسع يتعلق بصورة البلاد ومناخ المعلومات فيها، لا بوصفه دليلاً مباشراً على تعافي الاقتصاد.
لماذا تحتاج المؤشرات الدولية إلى قراءة دقيقة؟
تكمن أهمية المؤشرات الدولية في أنها تساعد على مقارنة الدول وقراءة الاتجاهات العامة. لكنها قد تصبح مضللة عندما تُنتزع من سياقها أو تُستخدم لعناوين مبالغ فيها.
مؤشر حرية الصحافة يقيس حرية الإعلام.
المؤشر الاقتصادي داخله يقيس البيئة الاقتصادية للإعلام.
أما الاقتصاد الكلي فتقيسه مؤشرات أخرى، مثل الناتج المحلي، التضخم، البطالة، الاستثمار، الصادرات، الميزان التجاري، وسعر الصرف.
لذلك، فإن القراءة المهنية للمؤشرات لا تكتفي بالسؤال: هل تحسن ترتيب سوريا؟ بل تسأل أيضاً: في أي مؤشر؟ ماذا يقيس؟ ما حدوده؟ وما الذي يمكن استنتاجه منه عملياً؟
خلاصة
تقدم سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 يعد تطوراً لافتاً، خصوصاً بعد انتقالها من المرتبة 177 إلى 141 عالمياً، وتحسن ترتيبها في المؤشر الاقتصادي الفرعي من 179 إلى 107. لكنه ليس مؤشراً مباشراً على تحسن الاقتصاد السوري ككل.
القراءة الأدق أن سوريا سجلت تحسناً في بيئة حرية الصحافة، بما في ذلك البيئة الاقتصادية التي تعمل ضمنها وسائل الإعلام. وهذا تطور مهم لصورة البلاد وتدفق المعلومات، لكنه يحتاج إلى أن يُقرأ بجانب مؤشرات اقتصادية أخرى قبل استخلاص أي حكم بشأن تعافي الاقتصاد أو جاذبية الاستثمار.
في بيئة الأعمال، الأرقام لا تكفي وحدها. المهم هو فهم ما تقيسه، وما لا تقيسه، قبل تحويلها إلى استنتاجات أو قرارات.
روابط مقترحة: