سوريا 2025–2026: أهم 5 مشاريع دخلت حيّز التنفيذ الفعلي وما الذي تعنيه للأعمال والاقتصاد؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
تحتاج قراءة الاستثمار في سوريا خلال 2025 و2026 إلى قدر من الانضباط المهني. فالسوق شهد موجة واسعة من الإعلانات والاتفاقيات، لكن عدداً محدوداً فقط من المشاريع انتقل من مرحلة التوقيع إلى التشغيل الفعلي أو الامتياز النهائي مع بدء الأعمال أو التمويل المعتمد مع تنفيذ جارٍ. وهذه النقطة أساسية، لأن ما يهم بيئة الأعمال ليس قيمة الإعلان وحدها، بل قدرة المشروع على تحسين الكهرباء، أو خفض كلفة اللوجستيات، أو رفع قدرة المرافئ، أو تحريك الإنفاق الرأسمالي في الاقتصاد. وفي هذا السياق، تبدو خمسة مشاريع فقط الأكثر قابلية للدفاع عنها بوصفها مشاريع “يُعمل بها فعلاً” لا مجرد مذكرات تفاهم. ويأتي ذلك في اقتصاد ما يزال هشاً: البنك الدولي توقع نمواً متواضعاً عند 1% في 2025 بعد انكماش 1.5% في 2024، فيما بقيت الكهرباء في كثير من المناطق عند حدود 2 إلى 4 ساعات يومياً فقط.
أولاً: خط الغاز كيليس-حلب وواردات الغاز الأذربيجاني
هذا هو المشروع الأكثر وضوحاً من حيث الأثر التنفيذي السريع. ففي 2 آب 2025 أُعلن بدء تصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا، مع هدف سنوي يبلغ 1.2 مليار متر مكعب، وبمعدل يومي يبدأ من نحو 3.4 ملايين متر مكعب ويمكن أن يصل إلى 6 ملايين متر مكعب يومياً. الهدف المباشر من هذا التدفق هو إعادة تشغيل محطات توليد سورية بطاقة تقارب 1,200 ميغاواط، مع تقديرات بأن يضيف ذلك نحو أربع ساعات كهرباء يومياً في بعض المناطق.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد السوري؟
الأهمية هنا ليست في الغاز بوصفه سلعة فقط، بل في كونه مدخلاً إنتاجياً. كل ساعة كهرباء إضافية تعني شيئاً مباشراً للمصانع، وسلاسل التبريد، والمخابز، والورش، والمشافي، وشبكات المياه، والخدمات اللوجستية. وإذا أخذنا في الاعتبار أن إنتاج سوريا الكهربائي كان قد هبط إلى نحو 1.6 غيغاواط مقارنةً بنحو 9.5 غيغاواط قبل 2011، فإن إعادة 1,200 ميغاواط إلى المنظومة ليست تفصيلاً تقنياً، بل خطوة قد تغيّر فعلياً قدرة الاقتصاد على العمل اليومي.
الأثر العملي على الأعمال
بالنسبة إلى الشركات، هذا المشروع يعني ثلاثة أمور عملية:
تقليص الاعتماد القسري على التوليد الذاتي المكلف، خفض جزء من كلفة التوقف والإنتاج المتقطع، وتحسين القدرة على التخطيط التشغيلي في قطاعات مثل الصناعة والغذاء والدواء والخدمات. وهو ليس حلاً كاملاً لأزمة الكهرباء، لكنه أول مشروع طاقة في 2025 يمكن القول إنه أنتج أثراً تشغيلياً ملموساً لا مجرد وعد مستقبلي.
ثانياً: مشروع الكهرباء الطارئ المموّل من البنك الدولي: 146 مليون دولار
يختلف هذا المشروع عن الصفقات التجارية، لكنه من أهم المشاريع الفعلية لأن تمويله اعتمد رسمياً وبدأ تنفيذه المؤسسي. ففي 25 حزيران 2025 وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لسوريا لإطلاق مشروع الكهرباء الطارئ، وهو أول تمويل من البنك للبلاد منذ قرابة أربعة عقود. ووفق تقارير المتابعة الصادرة مطلع كانون الثاني 2026، فإن المشروع أصبح في طور التنفيذ مع تقييم تقدّم “مرضٍ” على مستوى الإنجاز المؤسسي والتنفيذي.
ما الذي يشمله المشروع؟
يركز المشروع على إعادة تأهيل خطوط نقل الكهرباء ومحطات التحويل والمحولات عالية التوتر، إضافة إلى دعم القدرات الفنية والمؤسسية للجهات المشغلة. هذه ليست إضافة “إنتاج جديد” بالمعنى المباشر مثل محطات الغاز، لكنها تعالج الحلقة التي تجعل الكهرباء المولدة غير قادرة على الوصول بكفاءة إلى المستهلكين والأنشطة الاقتصادية.
لماذا هو مهم تنموياً؟
لأن واقع الكهرباء في سوريا ليس أزمة توليد فقط، بل أزمة شبكة ونقل وتوزيع أيضاً. إعادة تأهيل هذه البنية تعني تقليل الفاقد، ورفع موثوقية الإمداد، وتحسين وصول الطاقة إلى المدن والمناطق الصناعية، وتمكين قطاعات الماء والصحة والغذاء من العمل ضمن حد أدنى أكثر استقراراً. تنموياً، هذا المشروع لا يصنع عائداً تجارياً فورياً، لكنه من أكثر المشاريع قدرة على خلق أثر مضاعف على القطاعات الأخرى.
الأثر العملي على الأعمال
من زاوية الأعمال، كل تحسن في النقل الكهربائي ينعكس على خفض ساعات الانقطاع، وتقليل الأعطال، وتحسين استقرار الخدمات الأساسية. وهذا يخدم مباشرة المصانع الصغيرة والمتوسطة، والمشغلين اللوجستيين، والموردين، وبيئات العمل التي تخسر كثيراً من الإنتاجية بسبب الانقطاعات وعدم استقرار الجهد الكهربائي. كما أنه يعيد إدخال التمويل التنموي الدولي إلى البنية الأساسية السورية بصورة منظمة، وهي إشارة مؤسسية مهمة للسوق.
ثالثاً: ميناء طرطوس: امتياز DP World بقيمة 800 مليون دولار
انتقل مشروع طرطوس من مذكرة تفاهم في الربيع إلى اتفاق امتياز نهائي لمدة 30 عاماً في 13 تموز 2025، ثم إلى تشغيل فعلي بعد التسليم الرسمي في 12 تشرين الثاني 2025. وبدأت DP World العمليات في الميناء وأعلنت مباشرةً بدء تقييم البنية التحتية، وإطلاق برنامج التحديث، وإدخال تجهيزات تشغيلية جديدة، مع خطة استثمار تصل إلى 800 مليون دولار.
ما الذي يقدمه هذا المشروع للاقتصاد السوري؟
طرطوس ليس مجرد رصيف بحري. هو مشروع لوجستي وتجاري يمكن أن يعيد تشكيل جزء من حركة الاستيراد والتصدير والتخزين والخدمات المساندة. المشروع يشمل تحديث البنية التحتية، وتعميق الممرات والأحواض، وتأهيل المعدات، وإدخال أنظمة تشغيل رقمية، ورفع معايير السلامة والإنتاجية. كما أن DP World تحدثت عن استكشاف مناطق حرة ومراكز لوجستية داخلية وممرات ترانزيت مرتبطة بالميناء.
الأثر التنموي والعملي
هذا النوع من المشاريع لا ينعكس فقط على الميناء نفسه، بل على تكلفة التجارة في الاقتصاد كله. الميناء الأسرع والأكثر كفاءة يقلل زمن بقاء السفن، ويرفع انسيابية البضائع، ويحسن موثوقية سلاسل الإمداد، ويخلق طلباً على النقل والتخليص والتخزين والخدمات اللوجستية. وبالنسبة إلى سوريا، يمثل المشروع أيضاً أول حالة واضحة في 2025 لمشغّل عالمي كبير تسلم أصلاً استراتيجياً وبدأ تشغيله فعلياً. وهذا يرفع قيمة المشروع اقتصادياً ورمزياً معاً.
رابعاً: ميناء اللاذقية: مشروع CMA CGM لتوسعة وتحديث المحطة
يمثل مشروع اللاذقية حالة مختلفة عن طرطوس. فهنا لم تبدأ العلاقة في 2025، بل جرى إعادة التفاوض والتثبيت ثم التسريع. ففي 1 أيار 2025 وُقع اتفاق امتياز جديد لمدة 30 عاماً مع CMA CGM باستثمار إجمالي 230 مليون يورو، منها 30 مليون يورو في السنة الأولى و200 مليون يورو خلال السنوات الأربع التالية. ثم في آب 2025 جرى تسريع المرحلة الثانية، مع خطط لرفع الطاقة الاستيعابية إلى أكثر من مليون حاوية نمطية سنوياً، وتحديث الأنظمة الرقمية، وتهيئة البنية لاستقبال سفن أكبر بعمق يصل إلى 16 متراً.
لماذا يعد هذا مشروعاً فعلياً لا مجرد اتفاق؟
لأن المشروع لم يبق عند مستوى “التمديد الإداري”، بل انتقل إلى برنامج توسعة وتحديث محدد المعالم: رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر، استثمار رأسمالي موزع زمنياً، وتسريع واضح للمرحلة الثانية خلال 2025. هذا يعني أن اللاذقية ليست فقط تحت إدارة شركة عالمية، بل تحت مسار تحديث فعلي يهدف إلى رفع الكفاءة والطاقة الاستيعابية وربط الميناء بشكل أفضل مع البنية اللوجستية البرية.
ما أثره على مستقبل الأعمال؟
اقتصادياً، اللاذقية هي البوابة البحرية الأولى لسوريا. وكل تحسن في قدرتها التشغيلية ينعكس على تكلفة الواردات، وسرعة التخليص، ومرونة وصول المواد الأولية والبضائع الاستهلاكية. كما أن توسيع القدرة إلى أكثر من مليون حاوية سنوياً يخلق أفقاً مختلفاً للتجارة وإعادة التموضع اللوجستي في شرق المتوسط. بالنسبة إلى قطاع الأعمال، هذا مشروع يخدم التجارة، والصناعة، والتوزيع، والربط الإقليمي، لا قطاع النقل البحري فقط.
خامساً: مشروع التوليد الوطني الجديد: من مذكرة تفاهم إلى عقود امتياز نهائية
كان مشروع الكهرباء الكبير الذي أُعلن في أيار 2025 لا يزال، في تلك اللحظة، مذكرة تفاهم. لذلك لا يصح اعتباره مشروعاً منفذاً بمجرد الإعلان الأول. لكن الصورة تغيرت لاحقاً، حين أعلنت UCC Holding في 6 تشرين الثاني 2025 توقيع عقود الامتياز النهائية لبناء وتشغيل ثماني محطات توليد جديدة بقدرة إجمالية 5,000 ميغاواط. وبعد ذلك ظهرت مؤشرات على دخول المشروع مرحلة التوريد الفني والتجهيز، مع تقارير عن محادثات مع GE Vernova وSiemens Energy لتأمين توربينات الغاز للمشروع.
ما الذي يجعله مهماً رغم أنه ما يزال مبكراً؟
لأنه المشروع الوحيد كبير الحجم الذي خرج من “وعد استثماري” إلى امتياز نهائي مع مسار تنفيذ مبكر في قطاع التوليد. وإذا نُفذ كما هو مخطط، فهو يستهدف إضافة 5,000 ميغاواط إلى منظومة تعاني تاريخياً من فجوة هائلة بين الطلب والإنتاج. هذا المستوى من السعة لا يعني فقط كهرباء أكثر، بل يعني إمكانية إعادة تشغيل قطاعات إنتاجية واسعة، ورفع جاهزية المناطق الصناعية، وتقليل الاعتماد على المولدات والوقود المكلف.
الأثر العملي المتوقع على الأعمال
حتى الآن لا يمكن التعامل مع هذا المشروع على أنه أثره ظهر بالكامل، لكنه صار قابلاً للعدّ ضمن المشاريع التي بدأت فعلاً من حيث العقود النهائية والتحضير التنفيذي. والأثر المتوقع، إذا استمرت وتيرة التنفيذ، سيكون عميقاً على الصناعة، والدواء، والنسيج، والمواد الغذائية، والخدمات، والقطاع الرقمي. باختصار، هو المشروع الأهم للمستقبل الصناعي السوري، لكنه أيضاً الأكثر احتياجاً للوقت حتى يتحول إلى إنتاج فعلي على الشبكة.
ما الذي تقوله هذه المشاريع مجتمعة عن الاقتصاد السوري؟
إذا جمعنا هذه المشاريع الخمسة، سنجد أن القاسم المشترك بينها ليس العقار أو المضاربة أو الاستهلاك، بل البنية الأساسية: الطاقة، الشبكات، الموانئ، والخدمات اللوجستية. وهذا مهم جداً، لأن سوريا لا تحتاج أولاً إلى توسع شكلي في الإعلانات، بل إلى استعادة العناصر التي تجعل الاقتصاد قابلاً للعمل: كهرباء، نقل، مرافئ، وشبكات موثوقة. كما أن المشترك بينها أنها تخفف من بعض أعقد اختناقات الاقتصاد السوري: ساعات التغذية المنخفضة، ضعف سلاسل الإمداد، ارتفاع كلفة التجارة، وضعف كفاءة البنية التحتية.
لكن هذه المشاريع لا تعني أن سوريا دخلت مرحلة تعافٍ كامل. الاقتصاد ما يزال ينمو ببطء شديد، والإنتاج المحلي ضعيف، والقطاع النفطي بعيد عن مستوياته السابقة، والبنية المؤسسية والتنظيمية ما تزال بحاجة إلى تحسينات كبيرة. ففي 2026، ما يزال الإنتاج المحلي من النفط عند نحو 35 ألف برميل يومياً فقط مقابل حاجة قد تصل إلى 150 ألفاً يومياً، فيما تبقى البلاد معتمدة بصورة كبيرة على الواردات لتغطية جزء من احتياجاتها الأساسية من الطاقة.
الخلاصة: لماذا تهم هذه المشاريع مستقبل الأعمال في سوريا؟
المغزى الحقيقي لهذه المشاريع أنها تعيد بناء شروط العمل قبل أن تعيد بناء الأرباح. لا توجد بيئة أعمال حقيقية من دون كهرباء مستقرة، ولا تجارة منافسة من دون مرافئ فعالة، ولا نمو صناعي من دون طاقة ونقل وشبكات. ولهذا، فإن أثر هذه المشاريع على مستقبل الأعمال في سوريا يتجاوز أرقامها المالية المباشرة. فهي ترفع، تدريجياً، قدرة السوق على استقبال الاستثمار، وتحسن قابلية الشركات المحلية للتوسع، وتخفف كلفة الفوضى التشغيلية التي عطلت الاقتصاد لسنوات.