من تجربة الرئيس الشرع إلى التشغيل الفعلي: ماذا تعني عودة Visa وMastercard إلى سوريا ومتى يحصل السوريون على البطاقات؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
في 26 آب 2026، أُجريت في دمشق أول معاملة دفع دولية حية أعلنت عنها Visa، وشارك الرئيس أحمد الشرع في تنفيذ العملية باستخدام بطاقة Visa لدى أحد المحال في دمشق القديمة. نُفذت العملية بالتعاون مع “فرنسبنك لبنان” بصفته المؤسسة المالية المستحوذة، وشركة “بيميرا” السورية كمزود تقني للدفع. وفي الوقت نفسه تقريباً، أعلنت Mastercard ومجموعة QNB نجاح أول معاملة دولية متكاملة عبر شبكة Mastercard من خلال QNB سوريا، بعد استكمال الربط التقني مع الشبكة العالمية.
المغزى يتجاوز العملية نفسها. فما جرى يثبت أن سلسلة الدفع الدولية باتت قابلة للعمل داخل سوريا: من قراءة البطاقة وتمرير الطلب عبر الشبكة الدولية والحصول على الموافقة، وصولاً – في حالة Mastercard وQNB – إلى تسوية العملية ووصول الأموال إلى التاجر عبر النظام المصرفي. لكنه لا يعني بعد أن بطاقات Visa وMastercard أصبحت متاحة للإصدار لكل السوريين أو أن الخدمة وصلت إلى جميع المتاجر والمصارف.
ماذا حدث فعلياً في دمشق؟
عملية Visa التي شارك فيها الرئيس الشرع لم تكن مجرد عرض تقني مغلق. Visa وصفتها بأنها أول “معاملة دولية فعلية” تختبرها الشركة في سوريا، وأكدت أن الخطوة تمهد لقبول البطاقات الدولية وتوفير وسيلة دفع مألوفة وآمنة للزوار الدوليين داخل البلاد.
وبالتوازي، أكملت QNB سوريا وMastercard دورة دفع دولية متكاملة، وأعلنت QNB أن النظام أصبح يتيح للتجار المؤهلين، ومن بينهم منشآت في قطاعات الفنادق والمطاعم والتجزئة وبعض الجهات الحكومية، قبول بطاقات Mastercard الدولية عبر أجهزة نقاط البيع التابعة للمجموعة. وسيتم إدخال مزيد من التجار تدريجياً وفق الموافقات والمتطلبات التنظيمية.
وهنا تكمن النقطة الأهم: السوق السورية لم تعد في مرحلة السؤال عما إذا كان من الممكن تقنياً ربطها بشبكات البطاقات العالمية، بل انتقلت إلى سؤال آخر: ما سرعة توسيع الشبكة، وكم مصرفاً وتاجراً سيدخل إليها، ومتى سيبدأ إصدار البطاقات محلياً؟
المسار لم يبدأ هذا الأسبوع
عودة Visa وMastercard ليست نتيجة قرار مفاجئ خلال الأيام الماضية، بل نتيجة مسار استمر عدة أشهر.
في كانون الأول 2025، أعلنت Visa بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي خريطة طريق لإطلاق عملياتها في سوريا وبناء منظومة مدفوعات رقمية وفق المعايير العالمية. ومن اللافت أن الشركة وضعت ضمن “التركيز الفوري” العمل مع المؤسسات المالية المرخصة على إصدار بطاقات الدفع والمحافظ الرقمية، وليس فقط قبول البطاقات الصادرة من الخارج.
وفي كانون الثاني 2026، حصلت مجموعة QNB على ترخيص من Mastercard لتوسيع نشاطي “الإصدار والقبول” داخل سوريا، بما يسمح لها بتقديم حلول Mastercard للأفراد والشركات تكون قابلة للاستخدام محلياً ودولياً. وهذه نقطة بالغة الأهمية عند الحديث عن المرحلة المقبلة، لأن المسار القانوني والتجاري لإصدار Mastercard من داخل سوريا موجود بالفعل لدى QNB، حتى وإن لم يطلق البنك حتى الآن منتجاً جماهيرياً متاحاً لكل العملاء السوريين.
ثم جاء قرار مصرف سوريا المركزي رقم 259 في 4 أيار 2026 ليسمح للمصارف والمؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شركات الدفع العالمية مثل Visa وMastercard، وفتح الباب رسمياً أمام توسيع خدمات الدفع الدولية داخل السوق السورية.
وهكذا يصبح ما حدث في 26 و27 آب الحلقة التشغيلية الأحدث في سلسلة بدأت بالتشريع والتعاون والترخيص، ثم انتقلت إلى تجهيز البنية، وأصبحت اليوم قادرة على تنفيذ عمليات فعلية.
قبول Visa وMastercard لا يعني إصدار البطاقات للسوريين بعد
هنا يجب التمييز بين مرحلتين مختلفتين.
المرحلة الأولى هي “قبول البطاقات”، أي أن شخصاً يحمل بطاقة Visa أو Mastercard صادرة عن مصرف خارج سوريا يستطيع استخدامها لدى تاجر سوري متصل بالشبكة الدولية.
وهذه المرحلة بدأت فعلياً بصورة محدودة، خصوصاً عبر شبكة QNB وMastercard، مع توسع تدريجي مرتقب في عدد التجار ونقاط البيع. أما Visa فأعلنت نجاح الاختبار الحي وتعمل باتجاه توسيع قبول البطاقات الدولية داخل البلاد.
أما المرحلة الثانية فهي “إصدار البطاقات”، أي أن يتوجه عميل في سوريا إلى مصرف محلي، يفتح حساباً أو يستخدم حسابه القائم، ويحصل على بطاقة Visa أو Mastercard صادرة من سوريا يمكنه استخدامها محلياً وعلى الشبكة الدولية.
وهذه المرحلة لم يُعلن حتى 28 آب 2026 عن إطلاقها تجارياً على نطاق عام، كما لم يعلن مصرف سوريا المركزي أو Visa أو Mastercard موعداً محدداً يمكن عنده للمواطن السوري التوجه إلى أحد المصارف والحصول على بطاقة دولية.
متى يمكن أن يبدأ السوريون بالحصول على Mastercard؟
يبدو مسار Mastercard أكثر تقدماً من ناحية المعلومات المنشورة حتى الآن.
فمجموعة QNB حصلت منذ مطلع 2026 على ترخيص Mastercard يشمل نشاط “الإصدار” وليس القبول فقط، وأصبح لديها اليوم أيضاً ربط تشغيلي فعلي يسمح بتنفيذ وتسوية المدفوعات الدولية داخل سوريا.
لذلك فإن الخطوة المتبقية ليست الحصول على موافقة مبدئية لوجود Mastercard في سوريا، وإنما تحويل البنية القائمة إلى منتجات مصرفية فعلية للعملاء، وتحديد أنواع البطاقات وشروطها ورسومها وحساباتها وحدود استخدامها وآليات التسوية بالعملات الأجنبية.
تحليلياً، يجعل ذلك QNB سوريا أحد أكثر المرشحين وضوحاً لإطلاق أول منتجات Mastercard المصدرة محلياً. لكن حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي عن تاريخ فتح باب الطلب أو نوع البطاقة الأولى.
وماذا عن Visa؟
وضع Visa مختلف قليلاً.
الشركة أعلنت منذ كانون الأول الماضي أن خطتها في سوريا تشمل إصدار بطاقات الدفع والمحافظ الرقمية بالتعاون مع مؤسسات مالية مرخصة، كما نجحت الآن في تنفيذ أول معاملة دولية حية بالتعاون مع فرنسبنك وبيميرا.
لكن المعلومات المعلنة حتى الآن لا تتضمن اسم مصرف سوري أعلن رسمياً إطلاق بطاقة Visa محلية للأفراد، ولا موعداً محدداً لبدء الإصدار.
لذلك يبدو أن Visa دخلت مرحلة التشغيل والقبول الدولي، بينما ستحتاج المرحلة التالية إلى إعلان شراكات إصدار واضحة مع مصرف أو أكثر داخل سوريا.
ما التوقيت الأكثر واقعية؟
لا يوجد موعد رسمي، ولذلك لا يمكن القول إن البطاقات ستتاح في تاريخ محدد. لكن المعطيات الحالية تسمح ببناء تقدير زمني معقول.
المرحلة الأولى، وهي توسيع قبول البطاقات الدولية، بدأت فعلياً ويمكن أن تتسارع خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، عبر إضافة الفنادق والمطاعم والمتاجر والمؤسسات ونقاط البيع المؤهلة.
أما إصدار البطاقات من المصارف السورية، فمن الواقعي مراقبة الأشهر المتبقية من 2026 باعتبارها نافذة محتملة لظهور أول منتجات محدودة، خصوصاً عبر Mastercard وQNB، إذا اكتملت الترتيبات الخاصة بالعملات والتسوية والامتثال وتشغيل المنتجات المصرفية.
هذا تقدير تحليلي وليس موعداً رسمياً. والأكثر احتمالاً أن يبدأ الإصدار بعدد محدود من المصارف والبطاقات والعملاء، ثم يتوسع تدريجياً، بدلاً من إطلاق شامل ومفاجئ في جميع المصارف السورية.
كما أن الانتشار الواسع، بحيث تصبح البطاقة الدولية منتجاً مصرفياً عادياً متاحاً لملايين المستخدمين وتوجد نقاط قبول كثيفة في مختلف المحافظات، سيحتاج وقتاً أطول من مجرد تشغيل أولى المعاملات.
أي أنواع من البطاقات قد تظهر أولاً؟
من الناحية التشغيلية، قد يكون من الأسهل أن تبدأ المصارف ببطاقات خصم مباشر أو بطاقات مسبقة الدفع مرتبطة برصيد العميل، قبل التوسع الكبير في البطاقات الائتمانية التقليدية.
بطاقة الائتمان لا تحتاج فقط إلى شبكة دولية، بل إلى سياسات ائتمانية وتقييم دخل ومخاطر وحدود تمويل وإدارة ديون، في حين يمكن لبطاقات الخصم أو البطاقات مسبقة الدفع أن تعمل اعتماداً على الأموال الموجودة أصلاً في حساب العميل.
كما ستحتاج المصارف إلى تحديد قواعد استخدام العملات الأجنبية، وحدود الشراء خارج سوريا، ورسوم التحويل، وآليات تغذية الحسابات، وهي تفاصيل لم تُعلن بشكل كامل حتى الآن.
ماذا سيتغير بالنسبة للسوريين؟
عندما تبدأ المصارف السورية بإصدار بطاقات دولية قابلة للاستخدام خارج البلاد، فإن الأثر سيمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الدفع في المتاجر.
سيصبح بإمكان حامل البطاقة – ضمن الحدود والقواعد التي ستحددها المصارف – شراء المنتجات والخدمات من المواقع الدولية، الدفع أثناء السفر، الاشتراك في الخدمات الرقمية، والتعامل مع ملايين نقاط البيع والمتاجر الإلكترونية التي تقبل Visa أو Mastercard.
وهذا قد يحل واحدة من أكبر المشكلات التي واجهها السوريون خلال السنوات الماضية: غياب وسيلة دفع مصرفية دولية مباشرة من داخل البلاد.
لكن وجود بطاقة Visa أو Mastercard سورية لا يعني تلقائياً عودة كل خدمة رقمية عالمية إلى سوريا. بعض الشركات تعتمد قيوداً منفصلة مرتبطة بالدولة أو الامتثال أو فتح الحسابات. لذلك فإن PayPal أو Stripe، على سبيل المثال، يحتاجان إلى قرار مستقل بإتاحة خدماتهما للسوق السورية، حتى لو أصبحت البطاقات الدولية متوفرة.
وماذا يعني ذلك للشركات والتجار؟
الأثر على الشركات قد يكون أسرع من الأثر على الأفراد.
إتاحة قبول البطاقات الدولية تعني أن الفندق أو المطعم أو المتجر السوري يمكنه استقبال مدفوعات الزوار والعملاء الدوليين دون الاعتماد الكامل على النقد. وهذا مهم بصورة خاصة للسياحة والأعمال والمؤتمرات والمعارض والفنادق والتجزئة.
كما أن تعاون QNB وMastercard لا يقتصر على أجهزة نقاط البيع التقليدية؛ فقد شمل العمل على تجهيز قبول المدفوعات عبر نقاط البيع والتجارة الإلكترونية وحلول SoftPOS، أي تحويل الأجهزة الذكية المؤهلة إلى نقاط قبول للدفع. أما Visa فتتحدث في خريطة طريقها عن حلول مثل Tap to Phone ووسائل قبول منخفضة التكلفة تساعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الدخول إلى منظومة الدفع الرقمي.
وعندما يتوسع قبول المدفوعات عبر الإنترنت، يمكن أن تحصل الشركات السورية على قناة أكثر كفاءة لبيع منتجات أو خدمات لعملاء خارج سوريا، شريطة حصول التاجر نفسه على خدمة قبول إلكتروني من مصرف أو مزود دفع مرخص.
هل يعني ذلك عودة التحويلات المصرفية الدولية بالكامل؟
لا.
شبكات Visa وMastercard هي شبكات دفع بالبطاقات، وليست بديلاً مباشراً عن العلاقات المصرفية الدولية والحسابات المراسلة والتحويلات البنكية.
مصرف سوريا المركزي أوضح أن العمل مستمر على إعادة بناء علاقات البنوك المراسلة وتوسيع القنوات الرسمية للتحويلات والمدفوعات العابرة للحدود، في حين أن الاستعادة الكاملة للعلاقات المصرفية الدولية ما زالت تحتاج إلى تطوير أنظمة الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني والرقابة التنظيمية.
لذلك فإن نجاح بطاقة في متجر دمشقي يمثل جزءاً مهماً من إعادة الاندماج المالي، لكنه ليس نهاية العملية.
لماذا جاء التطور سريعاً بعد رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟
العمل التقني والتنظيمي بدأ قبل أشهر، وبالتالي لم يكن من الممكن بناء شبكة Visa أو Mastercard خلال يومين فقط.
لكن رفع الولايات المتحدة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب أزال واحدة من أكبر إشارات المخاطر القانونية والامتثالية التي كانت تواجه المؤسسات المالية الدولية. وأكد مصرف سوريا المركزي لرويترز أن التحضيرات للبطاقات بدأت قبل أشهر، لكن إزالة القيود والتصنيفات حسنت البيئة أمام البنوك الدولية وشركات التكنولوجيا المالية.
وهذا يفسر التوقيت: البنية كانت تقترب من الجاهزية، ثم جاء رفع التصنيف ليعزز قدرة الأطراف الدولية على الانتقال من الاختبار والتحضير إلى التشغيل الفعلي.
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
الخبر الأهم التالي لن يكون بالضرورة إجراء عملية دفع تجريبية جديدة، وإنما إعلان مصرف سوري فتح باب الحصول على بطاقة Visa أو Mastercard صادرة محلياً.
وبعده تأتي مؤشرات أكثر أهمية: عدد المصارف التي تحصل على تراخيص إصدار وقبول، عدد نقاط البيع المتصلة بالشبكات العالمية، تفعيل المدفوعات عبر التجارة الإلكترونية، إمكانية استخدام البطاقات السورية في الخارج، قواعد السحب من أجهزة الصراف، رسوم الاستخدام وتحويل العملات، وحدود الإنفاق الدولية.
هذه المؤشرات ستحدد متى تنتقل Visa وMastercard في سوريا من إنجاز رمزي وتقني مهم إلى جزء اعتيادي من الحياة المصرفية والاقتصادية.
الخلاصة
عملية الدفع التي أجراها الرئيس أحمد الشرع ببطاقة Visa حملت قيمة رمزية كبيرة، لكن أهميتها الحقيقية تقنية ومصرفية.
فخلال أقل من عام انتقلت سوريا من توقيع خرائط الطريق ومذكرات التعاون، إلى السماح القانوني بالتعامل مع شركات الدفع العالمية، ثم ترخيص نشاط الإصدار والقبول، وأخيراً تنفيذ معاملات دولية حية عبر Visa وMastercard.
المرحلة الأولى بدأت بالفعل: قبول البطاقات الدولية داخل سوريا بصورة محدودة ومتدرجة.
أما المرحلة التي ينتظرها السوريون، وهي الحصول على Visa أو Mastercard من مصرف سوري واستخدامها داخل البلاد وخارجها، فلم يبدأ إطلاقها الجماهيري بعد، لكنها أصبحت أقرب بكثير مما كانت عليه قبل أشهر. وفي ضوء التراخيص والبنية التشغيلية الموجودة اليوم، يبدو أن السؤال لم يعد “هل ستعود البطاقات الدولية إلى سوريا؟”، بل “أي مصرف سيصدر البطاقة الأولى، ومتى سيبدأ التوسع؟”.
وهذه ستكون المحطة التالية التي تستحق المتابعة.