تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي: انتقال من مرحلة إعادة الربط إلى اختبار إصلاح القطاع المصرفي

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
لا يمكن قراءة تعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي بوصفه تغييراً إدارياً عادياً في موقع مالي حساس. فالقرار يأتي في لحظة اقتصادية شديدة التعقيد، تقف فيها سوريا بين إرث ثقيل خلّفه نظام بشار الأسد على مستوى العملة والمصارف والثقة العامة، وبين محاولة جديدة لإعادة بناء قطاع مالي قادر على خدمة الاقتصاد الحقيقي، لا مجرد إدارة الأزمة النقدية اليومية.
المصرف المركزي في أي اقتصاد ليس مؤسسة فنية معزولة. هو الجهة التي تمسك بجزء كبير من توازنات العملة، السيولة، الثقة المصرفية، العلاقة مع النظام المالي الخارجي، وسياسات الدفع والتحويل والرقابة المصرفية. وفي الحالة السورية تحديداً، يصبح دوره أكثر حساسية، لأن القطاع المصرفي لا يبدأ من نقطة طبيعية، بل من سنوات طويلة من العقوبات، العزلة، التدهور النقدي، ضعف الثقة، توسع الاقتصاد غير الرسمي، وانكماش قدرة المصارف على تمويل الأعمال والاستثمار.
من هنا، لا تكمن أهمية التعيين الجديد في اسم الحاكم فقط، بل في السؤال الأوسع: هل يستطيع مصرف سوريا المركزي الانتقال من مرحلة “إعادة فتح الأبواب” إلى مرحلة بناء نظام مصرفي أكثر قدرة على العمل، التمويل، الامتثال، وجذب الثقة؟
مصرف سوريا المركزي: لماذا هذا المنصب مهم للاقتصاد السوري؟
تتجاوز أهمية مصرف سوريا المركزي وظيفة إصدار النقد أو مراقبة سعر الصرف. فهو الجهة التي تؤثر في ثلاثة مستويات رئيسية داخل الاقتصاد.
الأول هو مستوى الثقة بالعملة. فالليرة السورية تضررت خلال سنوات الحرب والعقوبات والتمويل بالعجز وتراجع الإنتاج وتدهور الاحتياطيات. لذلك، لا يستطيع أي مسار تعاف اقتصادي أن يتقدم من دون سياسة نقدية أكثر وضوحاً، وإدارة أكثر انضباطاً للسيولة، وخطاب نقدي يقلل الضبابية بدل أن يضيف إليها.
الثاني هو مستوى الثقة بالمصارف. فالمصارف السورية، العامة والخاصة، خرجت من سنوات العزلة وهي مثقلة بمشكلات تتعلق بالسيولة، الامتثال، جودة الأصول، ضعف الخدمات، محدودية التمويل، وضعف الارتباط بالمصارف المراسلة. وهذا يعني أن إصلاح القطاع المصرفي ليس ترفاً، بل شرطاً لأي عودة جدية للاستثمار والتجارة والتحويلات.
الثالث هو مستوى علاقة سوريا بالعالم المالي. فالتجارة لا تعمل من دون قنوات دفع وتحويل. والاستثمار لا يدخل من دون مصارف قادرة على الامتثال والتعامل الخارجي. وإعادة الإعمار لا يمكن أن تتحول إلى تدفقات واسعة إذا بقيت المصارف المحلية خارج شبكات الثقة والرقابة الدولية.
ما الذي تغيّر خلال 2025 و2026؟
منذ عام 2025، بدأت ملامح تحول مهم في البيئة المالية السورية، وإن كانت النتائج لا تزال في بداياتها. فقد شهدت سوريا خلال هذه الفترة خطوات متتابعة باتجاه تخفيف العزلة المالية وإعادة ربط القطاع المصرفي بالخارج.
أولى هذه التحولات كانت مرتبطة بتخفيف القيود والعقوبات الاقتصادية الغربية على سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. فقد أصدرت الولايات المتحدة في أيار 2025 إجراءات سمحت بتعاملات تشمل الحكومة الانتقالية، ومصرف سوريا المركزي، وبعض المؤسسات العامة، ضمن مسار أوسع لتسهيل الاستثمار والنشاط الخاص. كما رفع الاتحاد الأوروبي في الشهر نفسه العقوبات الاقتصادية على سوريا، مع الإبقاء على قيود مرتبطة بأفراد وملفات أمنية وحقوقية.
هذه التطورات لم تعن أن النظام المصرفي السوري عاد فوراً إلى الوضع الطبيعي. لكنها فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة، سمحت للمركزي السوري ببدء العمل على إعادة وصل المصارف السورية بالنظام المالي الدولي.
ومن أبرز المحطات خلال ولاية الحاكم السابق عبد القادر حصرية تنفيذ أول تحويل مصرفي دولي عبر نظام سويفت منذ بداية الحرب، بين مصرف سوري ومصرف إيطالي، ثم إرسال رسالة سويفت إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، في إشارة رمزية وعملية إلى رغبة سوريا في العودة إلى النظام المالي العالمي.
وفي عام 2026، برز ملف الدفع الإلكتروني بوصفه أحد المؤشرات المهمة على تغير البيئة المصرفية. فقد سُمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شركات دفع عالمية مثل فيزا وماستركارد، بالتوازي مع تجارب تشغيلية أولية أعادت الحديث عن إمكانية إدماج سوريا تدريجياً في منظومة المدفوعات الحديثة بعد سنوات من الانقطاع.
هذه الخطوات لا تعني أن القطاع المصرفي تعافى. لكنها تعني أن مرحلة الانغلاق الكامل بدأت تتراجع، وأن التحدي لم يعد فقط في فتح القنوات، بل في تحويلها إلى نظام مستقر وموثوق وفعال.
حاكم سابق في مرحلة إعادة الربط: ماذا يُحسب لعبد القادر حصرية؟
تولى عبد القادر حصرية حاكمية مصرف سوريا المركزي في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. ويمكن النظر إلى ولايته بوصفها مرحلة “إعادة الاتصال الأولي” أكثر من كونها مرحلة إصلاح مصرفي مكتمل.
من أبرز ما يُحسب لهذه المرحلة أنها وضعت ملف إعادة الربط المالي الخارجي في مقدمة الأولويات. فقد شهدت ولايته تنفيذ أول تحويل دولي عبر سويفت منذ سنوات الحرب، والبدء في مخاطبة بنوك ومؤسسات مالية دولية، والعمل على فتح قنوات مع مصارف مراسلة، إضافة إلى طرح ملفات العملة الجديدة، وتحديث البنية النقدية، والانفتاح على شبكات الدفع العالمية.
كما ارتبطت تلك المرحلة بخطاب اقتصادي حاول تقديم المصرف المركزي بوصفه جزءاً من إعادة بناء الثقة، لا مجرد مؤسسة تدير سعر الصرف أو تطبع النقد. وهذا مهم في بلد فقد فيه الجمهور والشركات جزءاً كبيراً من ثقتهم بالسياسات المالية والنقدية خلال سنوات النظام السابق.
لكن المرحلة نفسها بقيت محكومة بقيود واضحة: ضعف الثقة المتراكمة، محدودية السيولة، هشاشة الاقتصاد الحقيقي، استمرار الحذر الدولي، الحاجة إلى امتثال مصرفي أعلى، وغياب بيانات اقتصادية كافية تساعد السوق على قراءة الاتجاهات بدقة.
وبحسب ما ورد في تقارير إخبارية متداولة، عُيّن عبد القادر حصرية سفيراً لسوريا لدى كندا بعد مغادرته حاكمية المصرف. وبذلك ينتقل الرجل من ملف إعادة الربط المالي إلى موقع دبلوماسي يمكن أن يكون له بعد اقتصادي أيضاً، إذا ما استُخدم في دعم قنوات الثقة والتواصل مع الخارج.
من هو محمد صفوت رسلان؟
محمد صفوت عبد الحميد رسلان من مواليد عام 1981. يحمل إجازة جامعية في الاقتصاد، اختصاص محاسبة، من جامعة حلب، ودبلوماً في الإدارة الاستراتيجية من جامعة لازارسكي في وارسو، إضافة إلى شهادات مهنية دولية في إدارة المشاريع.
شغل رسلان منصب المدير العام لصندوق التنمية السوري، كما عمل في مواقع مصرفية واستشارية داخل سوريا وخارجها، من بينها إدارة أعمال الائتمان في بنك الصيادلة والأطباء في ألمانيا، والعمل مستشاراً لدى شركتي EY وCapco، وخبيراً مصرفياً في TARGOBANK وDeutsche Bank، إضافة إلى شغله منصب مدير فرع في بنك بيبلوس ـ سوريا.
وتشير سيرته المنشورة إلى خبرة تتجاوز 20 عاماً في إدارة مخاطر الائتمان، الحوكمة، والتحول الرقمي. وهذه الخلفية مهمة لأن التحدي الحالي أمام مصرف سوريا المركزي ليس نقدياً فقط، بل مصرفي ومؤسسي وتقني ورقابي في الوقت نفسه.
وجود حاكم بخبرة مصرفية وائتمانية وتحول رقمي قد يكون مناسباً للمرحلة الجديدة، بشرط أن تتحول هذه الخبرة إلى برنامج عمل واضح، وأن تحظى بدعم مؤسسي وحكومي، لأن إصلاح القطاع المصرفي لا ينجزه الحاكم وحده، بل يحتاج إلى تنسيق بين الحكومة، المصارف، الجهات الرقابية، الشركاء الدوليين، وقطاع الأعمال.
ماذا يعني التغيير الآن؟
يأتي تعيين رسلان بعد سلسلة تغييرات حكومية وإدارية، وفي ظل انفتاح إقليمي ودولي متزايد على الاقتصاد السوري. وهذا يمنح القرار معنى أوسع من مجرد تبديل في حاكمية المصرف.
الرسالة الأولى هي أن ملف القطاع المالي لم يعد ملفاً ثانوياً. فبعد إعادة فتح قنوات العلاقات الخارجية وتخفيف بعض القيود، أصبحت سوريا بحاجة إلى مؤسسة نقدية ومصرفية قادرة على تحويل الانفتاح السياسي والدبلوماسي إلى أدوات اقتصادية قابلة للعمل: تحويلات، تمويل تجارة، مدفوعات، امتثال، مصارف مراسلة، بيانات، وائتمان.
الرسالة الثانية أن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة مصرفية أكثر تخصصاً. فالمشكلة لم تعد في الإعلان عن عودة سويفت أو في السماح بالتعامل مع شبكات الدفع فقط، بل في بناء منظومة تعمل بثقة، وتلتزم بالمعايير الدولية، وتخدم الشركات، وتخفف الاعتماد على النقد، وتقلل مساحة الاقتصاد غير الرسمي.
أما الرسالة الثالثة فهي أن التغيير يأتي في لحظة تتقاطع فيها السياسة النقدية مع إعادة الإعمار. فالتدفقات الخارجية، إن بدأت بالتوسع، ستحتاج إلى قنوات مصرفية موثوقة. والاستثمارات لن تدخل بجدية إذا ظلت آليات الدفع والتحويل والتسوية غير واضحة. والتجارة لن تستقر إذا بقيت الشركات تبحث عن حلول بديلة خارج النظام المصرفي.
الملفات الشائكة التي تنتظر الحاكم الجديد
1. استعادة الثقة بالليرة دون وعود مبالغ فيها
أكبر ملف أمام الحاكم الجديد هو الثقة بالليرة السورية. لا يمكن ترميم هذه الثقة عبر تصريحات أو إجراءات شكلية. المطلوب هو مسار تدريجي يقوم على وضوح السياسة النقدية، ضبط السيولة، تقليل التمويل غير المنضبط للعجز، تحسين إدارة السوق، وتقديم معلومات أكثر انتظاماً للسوق.
إطلاق عملة جديدة أو حذف أصفار من العملة قد يكون جزءاً من إدارة رمزية ونقدية أوسع، لكنه لا يكفي وحده. فالعملة القوية لا تُبنى بالتصميم الجديد، بل بوجود اقتصاد منتج، ومصارف موثوقة، واحتياطيات أفضل، وتدفقات خارجية أكثر استقراراً، وسياسة مالية لا تضغط على السياسة النقدية.
2. إعادة بناء المصارف المراسلة
عودة سويفت خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. فوجود القدرة التقنية على إرسال الرسائل لا يعني تلقائياً وجود شبكة واسعة من المصارف المراسلة المستعدة للتعامل مع سوريا.
المصارف العالمية تحتاج إلى وضوح في العقوبات، امتثال قوي، شفافية في مصدر الأموال، أنظمة مكافحة غسل أموال وتمويل إرهاب، ونظام رقابي قادر على طمأنة الشركاء. لذلك، سيكون أحد أهم اختبارات الحاكم الجديد هو توسيع شبكة المصارف المراسلة بصورة واقعية، لا دعائية.
3. إصلاح المصارف العامة
المصارف العامة السورية تمثل جزءاً محورياً من الجهاز المصرفي، لكنها خرجت من سنوات طويلة وهي مثقلة بتركة إدارية وتمويلية وتشغيلية معقدة. إصلاحها لا يعني خصخصتها بالضرورة، ولا يعني تركها كما هي. المطلوب مراجعة جودة الأصول، الحوكمة، إدارة المخاطر، نظم الائتمان، آليات منح القروض، وقدرتها على تمويل القطاعات المنتجة.
لا يمكن لاقتصاد يسعى إلى التعافي أن يعتمد على مصارف عاجزة عن تقييم المخاطر وتمويل الأعمال. كما لا يمكن إعادة إنتاج نمط الإقراض القديم القائم على العلاقات والنفوذ والضمانات الشكلية. المطلوب مصارف تفهم القطاعات، تقيس المخاطر، وتمول النشاط القابل للحياة.
4. تطوير الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد
السماح بالتعامل مع فيزا وماستركارد وعودة التجارب التشغيلية للدفع الإلكتروني يمثلان خطوة مهمة، لكن نجاح الدفع الإلكتروني لا يتوقف على الترخيص فقط. يحتاج الأمر إلى بنية تحتية، ثقة المستخدمين، انتشار نقاط البيع، حماية المستهلك، تسعير عادل للعمولات، ربط مع المصارف، وتوسيع الشمول المالي.
في سوريا، يكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة لأن الاقتصاد النقدي الواسع يزيد صعوبة الرقابة، ويغذي الأسواق الموازية، ويضعف قدرة الدولة على قراءة النشاط الاقتصادي. لذلك، فإن التحول نحو الدفع الإلكتروني يجب أن يكون مشروعاً اقتصادياً متدرجاً، لا مجرد واجهة تقنية.
5. بناء بيانات اقتصادية ومصرفية موثوقة
من أكبر مشكلات الاقتصاد السوري ضعف البيانات. المستثمر لا يستطيع اتخاذ قرار جاد من دون معلومات. المصرف لا يستطيع تقييم مخاطر الائتمان من دون بيانات. والحكومة لا تستطيع بناء سياسة نقدية ومالية فعالة من دون مؤشرات موثوقة.
لذلك، يحتاج مصرف سوريا المركزي إلى رفع مستوى الإفصاح الدوري حول المؤشرات النقدية والمصرفية، مثل السيولة، الودائع، الائتمان، سعر الصرف، الاحتياطيات، التحويلات، ومؤشرات الدفع الإلكتروني. كل رقم موثوق ومنتظم يقلل الشائعات، ويزيد قدرة السوق على التقييم.
6. مكافحة الاقتصاد غير الرسمي
الاقتصاد غير الرسمي في سوريا ليس ظاهرة هامشية. سنوات الحرب والعقوبات وانهيار الثقة دفعت جزءاً واسعاً من النشاط الاقتصادي إلى خارج القنوات المصرفية. لذلك، لا يمكن إصلاح القطاع المصرفي من دون إعادة جذب النشاط إلى النظام الرسمي.
لكن ذلك لا يحدث بالعقوبات والغرامات وحدها. يجب أن تصبح القنوات المصرفية أسهل وأرخص وأكثر فائدة. عندما يجد التاجر والصناعي والمغترب والمستثمر أن المصرف يساعده على التحويل والدفع والتمويل والحماية، يصبح الدخول إلى النظام الرسمي خياراً عملياً، لا عبئاً إضافياً.
7. ربط السياسة النقدية بالاقتصاد الحقيقي
من أخطاء المراحل السابقة أن السياسة النقدية كانت كثيراً ما تتحول إلى إدارة يومية للأزمة، لا إلى دعم منظم للاقتصاد الحقيقي. المرحلة الجديدة تحتاج إلى ربط أوضح بين المصرف المركزي والقطاعات المنتجة: الصناعة، الزراعة، التجارة، التصدير، الخدمات، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
هذا لا يعني أن المركزي يجب أن يمول كل شيء. بل يعني أن يهيئ بيئة مصرفية تسمح للمصارف بتمويل النشاط المنتج ضمن قواعد واضحة للمخاطر والامتثال.
الأولويات العملية للحاكم الجديد
إذا أراد الحاكم الجديد أن يحقق فرقاً ملموساً، فالأولوية الأولى يجب أن تكون تثبيت الثقة. وهذا يبدأ من خطاب نقدي منضبط، وبيانات دورية، وتدرج في القرارات، وتجنب المفاجآت غير المفسرة.
الأولوية الثانية هي بناء ملف امتثال قوي يطمئن المصارف الخارجية. فعودة سوريا إلى النظام المالي الدولي لن تتحقق بالعلاقات السياسية وحدها، بل بقدرة النظام المصرفي على إقناع الشركاء بأنه قادر على الالتزام بالمعايير.
الأولوية الثالثة هي إصلاح البنية الداخلية للمصارف، خاصة العامة، لأن أي انفتاح خارجي سيبقى محدود الأثر إذا كانت المصارف المحلية غير قادرة على تقديم خدمات تنافسية وآمنة.
الأولوية الرابعة هي جعل الدفع الإلكتروني مشروعاً وطنياً عملياً، يبدأ من المدن والقطاعات الأكثر جاهزية، ثم يتوسع تدريجياً مع حماية المستخدمين وخفض كلفة الاستخدام.
الأولوية الخامسة هي دعم تمويل الأعمال، لا عبر ضخ ائتمان عشوائي، بل عبر بناء أدوات ائتمانية مدروسة تساعد الشركات القابلة للنمو، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل التوريد، والتجارة الخارجية.
ماذا يعني ذلك لقطاع الأعمال؟
بالنسبة للشركات والمستثمرين، لا يجب النظر إلى تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي بوصفه خبراً مؤسسياً فقط. هذا النوع من التغييرات قد ينعكس على بيئة الأعمال من خلال خمسة مسارات.
الأول هو سهولة التحويلات والتعاملات الخارجية. كل تحسن في علاقات المصارف السورية بالمصارف المراسلة يعني قدرة أفضل على التجارة والاستيراد والتصدير والتحويل.
الثاني هو تطور خدمات الدفع. إذا نجح الدفع الإلكتروني، ستتحسن قدرة الشركات على البيع والتحصيل وتتبع المدفوعات وتقليل الاعتماد على النقد.
الثالث هو الائتمان. إذا تطورت إدارة المخاطر داخل المصارف، قد تبدأ فرص تمويل الأعمال بالتحسن تدريجياً، خاصة للشركات القادرة على تقديم بيانات مالية واضحة ونماذج عمل قابلة للتقييم.
الرابع هو الثقة. المستثمر لا يبحث فقط عن فرصة، بل عن نظام مالي يستطيع الدخول والخروج عبره. كل تحسن في الشفافية والامتثال ينعكس على قرار الاستثمار.
الخامس هو الكلفة. ضعف النظام المصرفي يزيد كلفة الأعمال. أما تحسنه فيخفض كلفة التحويل، الدفع، التمويل، وإدارة المخاطر.
قراءة ختامية
تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي يأتي في لحظة انتقال من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة بناء القدرة. خلال 2025 و2026، فُتحت نوافذ مهمة أمام القطاع المالي السوري: تخفيف عقوبات، عودة تدريجية إلى سويفت، تجارب دفع إلكتروني، وانفتاح إقليمي ودولي أوسع. لكن فتح النوافذ لا يكفي إذا لم تُبنَ داخل البيت مؤسسات قادرة على استقبال الهواء الجديد.
الاختبار الحقيقي أمام الحاكم الجديد لن يكون في إعلان قرارات كبيرة، بل في بناء مسار مستقر: ليرة أكثر قابلية للثقة، مصارف أكثر امتثالاً، خدمات دفع أكثر حداثة، بيانات أكثر شفافية، وتمويل أقرب إلى الاقتصاد الحقيقي.
سوريا لا تحتاج إلى مصرف مركزي يدير الأزمة فقط، بل إلى مؤسسة نقدية تساعد على تحويل التعافي من عنوان سياسي إلى واقع اقتصادي قابل للقياس. وهذه المهمة صعبة، لكنها أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
روابط مقترحة: