من يصنع الثقة أولاً في الاقتصاد السوري: المستثمر السوري أم المستثمر الأجنبي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
في الاقتصادات الخارجة من النزاع أو التحول الحاد، لا تُبنى الثقة الاستثمارية عادةً بقرار واحد أو طرف واحد، بل بسلسلة إشارات متراكمة. وفي الحالة السورية اليوم، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تبدأ الثقة بعودة المستثمر السوري إلى بلده، بما يحمله ذلك من رسالة اطمئنان للسوق ولرأس المال الخارجي؟ أم أن دخول المستثمر الأجنبي أولاً هو ما يمنح رجال الأعمال السوريين الحافز الحقيقي للعودة والتوسع من جديد؟
القراءة الأقرب إلى الواقع السوري تشير إلى أن الثقة المستدامة لا تُستورد جاهزة من الخارج، ولا تُبنى محلياً وحدها، بل تبدأ غالباً من الداخل ثم تتوسع عبر الخارج. أي أن المستثمر السوري هو الأقدر على إطلاق إشارة الثقة الأولى، بينما يأتي المستثمر الأجنبي ليضخم هذه الإشارة ويحولها إلى دورة أوسع من الرسملة، والتوسع، وربط السوق السوري بشبكات إقليمية ودولية أكبر.
لماذا أصبح هذا السؤال مهماً الآن؟
لأن سوريا لم تعد تقف عند النقطة نفسها التي كانت عليها قبل عام أو عامين. فمنذ نهاية 2024 وحتى أيار 2026، دخلت البلاد مرحلة مختلفة نسبياً من حيث إعادة الانفتاح، وعودة التواصل الإقليمي، وتحسن المزاج الاقتصادي، وبدء ظهور مؤشرات أولية على انتقال النقاش من إدارة الانكماش إلى اختبار فرص التعافي.
خلال هذه الفترة، ظهرت مجموعة مؤشرات لا يجوز التقليل من أهميتها. من بينها تحسن النشاط الاقتصادي في الأشهر الأخيرة وفق تقييم بعثة صندوق النقد الدولي في شباط 2026، مدعوماً بتحسن معنويات المستهلكين والمستثمرين، وزيادة توفير الكهرباء، واستمرار العودة التدريجية للاجئين، والانخراط الإقليمي المتزايد. كذلك، اعتمد الاتحاد الأوروبي في أيار 2025 رفع العقوبات الاقتصادية على سوريا باستثناء ما يتعلق بالاعتبارات الأمنية، ثم أعاد في 11 أيار 2026 التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون مع سوريا، بما يوسع هامش الانفتاح التجاري والاقتصادي. كما وافق البنك الدولي في 23 نيسان 2026 على تمويل بقيمة 225 مليون دولار لاستعادة خدمات أساسية مرتبطة بالمياه والصحة والصرف الصحي، وهي قطاعات لا تبدو خدمية فقط، بل تؤثر مباشرة في البيئة التشغيلية والاستثمارية.
ثم جاء المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي في 11 و12 أيار 2026 ليضيف بعداً عملياً جديداً. فالتجارة غير النفطية بين سوريا والإمارات بلغت 1.4 مليار دولار في 2025 بزيادة 132%، مع تفاهمات أولية ومباحثات استثمارية في السياحة والبناء والبنية التحتية والزراعة والطيران والخدمات اللوجستية، إلى جانب عودة اهتمام شركات كبرى وعودة خطوط جوية بعد توقف طويل. وهذه ليست مجرد أخبار علاقات عامة، بل مؤشرات على أن سوريا بدأت تستعيد موقعها كمساحة قابلة للنظر الاستثماري، ولو ضمن حدود ما تزال معقدة وحذرة.
ما المقصود بالثقة الاستثمارية أصلاً؟
الثقة في الاقتصاد ليست شعوراً عاماً أو خطاباً سياسياً أو تفاؤلاً إعلامياً. في لغة الأعمال، الثقة تعني شيئاً أكثر صرامة: أن يصبح المستثمر قادراً على تقدير المخاطر، وفهم قواعد اللعبة، وتوقع قدر معقول من الاستقرار، والاعتقاد أن رأس المال الموظف في السوق يمكن أن يعمل، وينمو، ويخرج عند الحاجة، من دون أن يتحول كل قرار إلى مغامرة مفتوحة.
ومن هنا، لا تُقاس الثقة فقط بحجم التصريحات أو عدد الوفود أو كثافة الكلام عن الفرص. بل تُقاس عندما تبدأ الأسواق بإنتاج سلوك جديد يمكن رصده: شركة تتوسع بدل أن تنكمش، مستثمر يعود بدل أن ينتظر، شراكة تنتقل من التفاهم إلى التنفيذ، ومؤسسة خارجية تبدأ بالمخاطرة المدروسة بدل الاكتفاء بالمراقبة.
بهذا المعنى، لا يكفي السؤال: من استثمر أولاً؟ بل الأهم: من أعطى السوق الإشارة الأولى القابلة للتصديق؟
لماذا يبدو المستثمر السوري مرشحاً طبيعياً لصناعة الإشارة الأولى؟
لأن المستثمر السوري، سواء كان داخل البلاد أو في الخارج، يعرف ما لا يعرفه المستثمر الأجنبي في المراحل الأولى. هو يعرف التفاصيل التي لا تظهر في التقارير المختصرة: كيف تعمل السوق فعلياً، أين توجد المرونة، ما الذي يمكن احتماله، ما الذي ما يزال معطلاً، كيف تُبنى الشراكات، وأين تكمن الفجوات بين النص والواقع.
هذا القرب من المعرفة اليومية لا يجعل المستثمر السوري أكثر شجاعة فقط، بل أكثر قدرة على التمييز بين المخاطر الحقيقية والمخاطر المتخيلة. وفي الاقتصادات التي تعبر مرحلة انتقالية، تكون هذه الميزة حاسمة. فالمستثمر الأجنبي غالباً ما يقرأ البلد من خلال مؤشرات كلية، وتقارير امتثال، ومراسلات مصرفية، وتحليلات مخاطر سيادية، بينما يقرأه المستثمر المحلي أو السوري العابر للحدود من خلال التشغيل الفعلي، والاختبار التدريجي، والعلاقات، والقدرة على التحرك ضمن بيئة لم تستقر تماماً بعد.
لهذا السبب، فإن عودة المستثمر السوري إلى السوق لا تحمل قيمة مالية فقط، بل قيمة إشارية أيضاً. فعندما يقرر رجل أعمال سوري إعادة تشغيل مصنع، أو فتح مكتب، أو التوسع في شبكة توزيع، أو الدخول في شراكة تشغيلية، فهو يقول للسوق شيئاً لا تستطيع البيانات المجردة قوله وحدها: إن العمل هنا أصبح ممكناً بدرجة تستحق المحاولة.
لكن هل تكفي عودة المستثمر السوري وحدها؟
الجواب: لا.
أهمية المستثمر السوري لا تعني أن التعافي الاقتصادي الواسع يمكن أن يتم برأس مال محلي أو سوري فقط. فسوريا بعد سنوات طويلة من الاستنزاف لا تحتاج إلى عودة الأموال فحسب، بل إلى ما هو أوسع: تمويل أكبر، تقنيات حديثة، شبكات تصدير، شركات ذات خبرة تنفيذية، مؤسسات قادرة على إدارة مشاريع بنية أساسية، وربط أعمق مع الأسواق الإقليمية والدولية.
هنا يظهر الدور الحاسم للمستثمر الأجنبي أو الإقليمي. فدخول هذا المستثمر لا يمنح السوق المال فقط، بل يمنحها أيضاً شيئاً آخر بالغ الأهمية: التصديق الخارجي. عندما ترى السوق السورية استثمارات خليجية أو إقليمية أو دولية جادة، أو عودة شركات كبرى إلى دراسة فرص الطاقة والبنية والخدمات، فإن ذلك لا يضيف سيولة فقط، بل يرفع منسوب القابلية للتوقع، ويعيد تشكيل نظرة الداخل إلى نفسه. وهذا ما بدأت بعض مؤشراته تظهر بوضوح في أيار 2026، سواء في الحراك الإماراتي أو في مذكرات التفاهم الخاصة بقطاعات الطاقة والبنية والخدمات واللوجستيات.
بكلمات أخرى: المستثمر السوري يستطيع أن يبدأ الثقة، لكن المستثمر الأجنبي يساعد على تحويلها من ثقة محلية محدودة إلى ثقة سوق أوسع.
ما الذي تقوله التجارب المشابهة؟
التجارب الدولية في الاقتصادات الخارجة من الصراع أو من التحولات العنيفة تشير غالباً إلى نتيجة متكررة: رأس المال الخارجي نادراً ما يكون هو المؤسس الأول للثقة، لكنه يصبح أكثر تأثيراً عندما يجد نواة محلية قادرة على العمل.
في دول عديدة مرت بتحولات حادة، لم يكن المال الخارجي كافياً عندما بقيت الثقة المحلية ضعيفة، والبيئة المؤسسية غير قادرة على دعم التشغيل، والقطاع الخاص المحلي متردداً أو منهكاً. وفي المقابل، عندما بدأت الثقة المحلية تتشكل عبر عودة الأعمال، وتحسن القدرة على التنفيذ، وظهور قصص تشغيل قابلة للاستمرار، أصبح الاستثمار الأجنبي أكثر استعداداً للدخول، وأقل حاجة إلى الاكتفاء بالمراقبة.
هذه القاعدة تبدو منطقية أيضاً في سوريا. فالمستثمر الأجنبي لا يريد أن يكون أول من يختبر كل شيء من الصفر، ولا المستثمر السوري يريد أن يظل وحيداً في السوق إلى ما لا نهاية. لذلك، فإن النموذج الأكثر واقعية ليس “المحلي أو الأجنبي”، بل “محلي يبدأ، وخارجي يوسع”.
كيف يمكن ترتيب الأولويات في الحالة السورية؟
في تقديري، يمكن ترتيبها على النحو الآتي:
الأولوية الأولى هي تشجيع عودة الاستثمار السوري المنتج، لا بالمعنى العاطفي أو الرمزي، بل بالمعنى التشغيلي الحقيقي: توسيع الأعمال، إعادة التشغيل، بناء شراكات، واستعادة سلاسل إنتاج وخدمات قابلة للحياة. لأن هذا النوع من الاستثمار هو الذي يصنع أول اختبار واقعي للثقة.
الأولوية الثانية هي تخفيض الفجوة بين هذا الاستثمار المحلي وبين رأس المال الخارجي، عبر تحسين قابلية السوق للقراءة، وتوسيع الانفتاح المالي والتجاري، وتخفيف مخاطر الامتثال والتحويل والربط المصرفي، لأن المستثمر الأجنبي لا يدخل فقط عندما يحب السوق، بل عندما يستطيع العمل فيها فعلاً.
الأولوية الثالثة هي بناء جسور بين الطرفين، بحيث لا يتحول المستثمر السوري إلى مجرد ممول صغير ينتظر الأجنبي، ولا يتحول المستثمر الأجنبي إلى فاعل منفصل عن السوق المحلية. الشراكات المختلطة هنا قد تكون من أكثر الصيغ منطقية في المرحلة المقبلة، لأنها تجمع المعرفة المحلية مع الرسملة الأوسع والخبرة التشغيلية الخارجية.
أين تكمن العقدة الحقيقية اليوم؟
العقدة ليست في غياب الاهتمام فقط، بل في الفجوة بين الاهتمام والتنفيذ.
فاليوم بات من الأسهل نسبياً أن نجد حديثاً عن سوريا، أو اهتماماً بسوقها، أو لقاءات استثمارية حولها، أو حتى مذكرات تفاهم وفرصاً أولية. لكن تحويل ذلك إلى استثمار منفذ ما يزال يحتاج إلى طبقة أعمق من اليقين. ويشمل ذلك: قدرة أفضل على التمويل والتحويل، وضوحاً أعلى في البيئة التنظيمية، تحسناً مستمراً في الخدمات الأساسية، وتراجعاً ملموساً في كلفة المخاطرة اليومية على المستثمر.
وهنا يعود السؤال من جديد: من يساعد على تقليص هذه الفجوة أولاً؟
الجواب الأقرب إلى المنطق هو أن المستثمر السوري يساهم في تقليصها عندما يبدأ بالتحرك، لأنه يختبر السوق على الأرض، ويعطي الآخرين إشارات عملية. أما المستثمر الأجنبي، فهو يسرّع تضييق هذه الفجوة عندما يرى أن هناك قاعدة محلية بدأت فعلاً بالعمل، وأن السوق تجاوزت مرحلة الانتظار السلبي.
ماذا يعني ذلك لبيئة الاستثمار في سوريا؟
يعني أولاً أن الحديث عن جاذبية الاقتصاد السوري يجب ألا يبقى محصوراً في فكرة “من سيدخل أولاً؟” وكأن المسألة سباق شكلي بين الداخل والخارج. الأهم هو فهم كيف تتشكل الثقة على مراحل.
ويعني ثانياً أن عودة المستثمر السوري ليست مجرد موضوع وطني أو عاطفي، بل عنصر اقتصادي استراتيجي. فهذه العودة، إذا جاءت في شكل تشغيل حقيقي، يمكن أن تكون من أقوى الأدوات العملية لخفض المخاوف الخارجية.
ويعني ثالثاً أن الاستثمار الأجنبي يظل ضرورياً، لا كبديل عن الداخل، بل كشريك في توسيع أثره. فسوريا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى صيغة تجمع بين معرفة الداخل، ورسملة الخارج، وتحسن البيئة العامة، لا إلى التعويل على طرف واحد وحده.
الخلاصة
الثقة بالاقتصاد السوري لن تتحقق على الأرجح عبر دخول المستثمر الأجنبي أولاً بمعزل عن الداخل، ولن تتكرس أيضاً إذا بقيت محصورة في محاولات محلية متفرقة من دون امتداد خارجي.
الأقرب إلى الواقع أن الثقة تبدأ عندما يعود المستثمر السوري إلى اختبار السوق بقرارات تشغيلية جادة، لأن هذا النوع من السلوك يعطي الإشارة الأولى الأكثر مصداقية. ثم تترسخ هذه الثقة عندما يرى المستثمر الأجنبي أن هناك اقتصاداً بدأ يستعيد نبضه، وشركاء محليين مستعدين، وفرصاً قابلة للتنفيذ، وبيئة تتحسن ولو تدريجياً.
في هذا المعنى، لا ينبغي أن يُطرح السؤال في سوريا على شكل: من يسبق من؟
بل على شكل: كيف نبني تسلسلاً صحيحاً للثقة؟
والجواب الأرجح هو:
تبدأ الثقة من الداخل، لكنها لا تكتمل إلا عندما تجد من الخارج من يصدقها ويشارك فيها.
مواد إضافية مقترحة: