قانون الاستثمار السوري الجديد لعام 2025: المرسوم التشريعي رقم 114

دمشق، 14 يوليو 2025
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 114 لعام 2025 القاضي بتعديل بعض مواد قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 وتعديلاته. وبذلك، لا يمثّل المرسوم قانون استثمار جديداً بالكامل، بل تعديلاً على الإطار القانوني القائم للاستثمار في سوريا، مع تغييرات مهمة تمس تعريفات الاستثمار، ودور هيئة الاستثمار السورية، وآلية منح إجازة الاستثمار، والحوافز، والالتزامات، وتسوية المنازعات. صدر المرسوم في دمشق بتاريخ 24 حزيران 2025، ونص على العمل به من تاريخ صدوره.
أهمية هذا التعديل لا تكمن في الجانب القانوني وحده، بل في أثره العملي على المستثمر. فالمستثمر الذي يدرس مشروعاً في سوريا يحتاج إلى معرفة ما الذي تغيّر في مسار التقديم، وما الحوافز الممكنة، وما الالتزامات الجديدة أو المعدّلة، وكيف تؤثر هذه التعديلات على دراسة الجدوى والقرار الاستثماري.
أولاً: ليس قانوناً جديداً بل تعديل لقانون الاستثمار
من المهم توضيح هذه النقطة منذ البداية: المرسوم رقم 114 لعام 2025 لا يلغي قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 ولا يستبدله بقانون جديد، بل يعدّل بعض مواده. وهذا يعني أن المرجع الأساسي يبقى قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 وتعديلاته، مع قراءة المواد التي عدلها المرسوم الجديد ضمن الإطار القانوني نفسه.
لذلك، فإن الصياغة الأدق تحريرياً ليست: قانون الاستثمار السوري الجديد لعام 2025، بل:
تعديل قانون الاستثمار السوري بالمرسوم رقم 114 لعام 2025
أو:
المرسوم رقم 114 لعام 2025: ما الذي تغيّر في قانون الاستثمار؟
هذا التمييز مهم حتى لا يفهم المستثمر أن هناك إطاراً قانونياً جديداً بالكامل، بينما الواقع أن هناك تعديلات على قانون قائم.
ثانياً: تحديث التعريفات الأساسية
أعاد المرسوم صياغة عدد من التعريفات المرتبطة بالاستثمار. ومن أبرزها تعريف الاستثمار، والمستثمر، والمشروع، وإجازة الاستثمار، وهيئة الاستثمار السورية، ومركز خدمات المستثمرين، والمنطقة الاقتصادية الخاصة. ويُعرّف النص المنشور الاستثمار بأنه توظيف رأس المال لإنشاء مشروع استثماري أو توسيعه أو تطويره أو تمويله أو تملكه كلياً أو جزئياً أو إدارته، كما يعرّف المستثمر بأنه الشخص الطبيعي أو الاعتباري، السوري أو غير السوري، الذي يستثمر في أراضي الجمهورية العربية السورية وفق أحكام المرسوم.
أهمية هذه التعريفات أنها توسع الفهم العملي للاستثمار، فلا يقتصر الأمر على إنشاء مشروع جديد فقط، بل يشمل أيضاً التوسع، التطوير، التمويل، التملك، أو الإدارة. وهذا مهم للمستثمرين الذين لا يبدأون من الصفر، بل قد يدخلون في مشاريع قائمة أو يطورون أصولاً أو شركات موجودة.
ثالثاً: إجازة الاستثمار أصبحت أكثر ارتباطاً بالموافقات اللازمة
من أبرز النقاط التي يجب الانتباه إليها أن المرسوم عرّف إجازة الاستثمار بوصفها وثيقة تمنحها الهيئة بعد دراسة طلب المستثمر واستصدار جميع التراخيص والموافقات اللازمة للمباشرة بالتنفيذ من جميع الجهات المعنية.
هذا التعريف يعطي إجازة الاستثمار معنى عملياً أوسع من مجرد “موافقة عامة”. فهي ترتبط بدراسة الطلب، واستكمال التراخيص، والحصول على الموافقات التي تسمح بالبدء بالتنفيذ.
بالنسبة للمستثمر، هذا يعني أن ملف إجازة الاستثمار يجب أن يكون واضحاً ومتكاملاً منذ البداية، وأن يتضمن معلومات كافية عن طبيعة المشروع، وموقعه، وتكاليفه، ومتطلباته الفنية، والجهات التي يحتاج موافقتها. فكل نقص في الملف قد ينعكس على مدة المعالجة أو على قدرة الهيئة على استكمال المسار.
رابعاً: تعزيز دور هيئة الاستثمار السورية
يعيد المرسوم تنظيم دور هيئة الاستثمار السورية ويجعلها أكثر مركزية في مسار الاستثمار. ووفق النصوص المنشورة، تُعرّف الهيئة باعتبارها هيئة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئاسة الجمهورية، وتتولى تنفيذ السياسة الوطنية للاستثمار وإدارة شؤون المستثمرين وفق أحكام القانون.
كما نصت التعديلات على إعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة، بحيث يضم ممثلين عن جهات عامة وممثلين عن المستثمرين، بما يعكس محاولة لإدخال تمثيل أوسع للقطاع الخاص في إدارة ملف الاستثمار.
عملياً، يعني ذلك أن المستثمر سيتعامل مع هيئة الاستثمار بوصفها الجهة المحورية في تقديم الطلبات ومتابعة مسار إجازة الاستثمار والخدمات المرتبطة بها، مع بقاء المشروع خاضعاً للجهات القطاعية والتنظيمية الأخرى بحسب طبيعته.
خامساً: مركز خدمات المستثمرين والنافذة الواحدة
من أهم التعديلات العملية تعزيز دور مركز خدمات المستثمرين بوصفه نافذة واحدة للاستثمار. فقد نص المرسوم على إحداث مركز في الهيئة وفي المناطق التنموية والتخصصية، يضم ممثلين عن الجهات العامة المعنية، ويعمل كنافذة واحدة للاستثمار.
الهدف من هذه الآلية هو تقليل تشتت المستثمر بين الجهات المختلفة، وتجميع مسار المعاملات والموافقات ضمن مركز أكثر تنظيماً. لكن من المهم فهم النافذة الواحدة بصورة واقعية: فهي لا تلغي التراخيص أو الاشتراطات المطلوبة، بل تهدف إلى تنظيمها وتسريعها وتسهيل التعامل معها.
لذلك، على المستثمر أن يتعامل مع مركز خدمات المستثمرين كمسار إداري منظم، لا كإعفاء من المتطلبات الفنية أو القانونية أو القطاعية.
سادساً: مدة 30 يوم عمل للبت في إجازة الاستثمار
من النقاط اللافتة في المرسوم تحديد مدة للبت في منح إجازة الاستثمار. فبحسب النص المنشور، يتم البت في منح الإجازة خلال مدة لا تتجاوز 30 يوم عمل من اليوم التالي لاستكمال الأوراق المطلوبة وتسديد التكاليف المالية، كما يحق للمستثمر الاعتراض خلال مدة محددة في حال الرفض أو انتهاء المهلة، ويتم البت في الاعتراض خلال 15 يومًا.
هذه النقطة مهمة في دراسة الجدوى، لأن الزمن عنصر مالي وتشغيلي. فكل تأخير في الموافقات قد يؤثر على تكلفة التأسيس، تاريخ بدء التشغيل، التزامات الإيجار، عقود التوريد، أو خطة التمويل.
لكن يجب الانتباه إلى أن احتساب المهلة يرتبط باستكمال الأوراق المطلوبة وتسديد التكاليف المالية. أي أن الملف غير المكتمل قد يؤخر بدء احتساب المدة الفعلية.
سابعاً: الحوافز الجمركية والضريبية
يتضمن المرسوم تعديلات مهمة على الحوافز المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية. ومن بين ما ورد في النص المنشور إعفاءات جمركية لبعض مستوردات الآلات وخطوط الإنتاج الصناعية العائدة للمنشآت الحاصلة على إجازة استثمار، إضافة إلى حوافز ضريبية لبعض المشاريع والقطاعات والمناطق وفق الشروط المحددة في القانون.
وهنا يجب التأكيد على نقطة عملية مهمة: الحوافز ليست تلقائية لكل مشروع. فالحصول على إعفاء أو تخفيض يرتبط بنوع المشروع، والقطاع، والموقع، والحصول على إجازة الاستثمار، ومدى انطباق الشروط المحددة.
لذلك، لا ينبغي أن يبني المستثمر دراسة الجدوى على افتراض الاستفادة من الحوافز قبل التحقق من انطباقها على مشروعه فعلياً. والأفضل أن تُبنى الدراسة المالية على سيناريوين: سيناريو مع الحوافز إن انطبقت، وسيناريو أكثر تحفظاً في حال لم تنطبق أو تأخر تفعيلها.
ثامناً: ضمانات المستثمر
تناولت التعديلات ضمانات مهمة للمستثمر، من بينها حماية المشروع من بعض الإجراءات إلا وفق الأصول القانونية، وحق اللجوء إلى آليات تسوية المنازعات، وتنظيم بعض مسائل تحويل الأموال أو التعويضات وفق القوانين والأنظمة النافذة. كما يتضمن قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 أساساً ضمانات ترتبط بحماية الاستثمارات وتوفير بيئة أكثر تشجيعاً للمستثمرين.
هذه الضمانات مهمة، لكنها يجب أن تُقرأ ضمن الإطار القانوني العام، لا بمعزل عنه. فالمستثمر يبقى ملتزماً بالقوانين الضريبية والجمركية والعمالية والبيئية والتنظيمية، بحسب طبيعة المشروع.
بمعنى آخر، الضمانات لا تعني غياب الالتزامات، بل تعني أن المشروع يعمل ضمن إطار قانوني يحدد الحقوق والواجبات معاً.
تاسعاً: التزامات المستثمر
من نقاط القوة في المرسوم أنه لا يكتفي بالحوافز والضمانات، بل يعيد التأكيد على التزامات المستثمر. وبحسب النص المنشور، تشمل الالتزامات جوانب مثل إعلام الهيئة بتاريخ مباشرة العمل والتكاليف الاستثمارية الفعلية، التأمين على المشروع، مسك الحسابات، تقديم البيانات المالية، دفع الضرائب والرسوم، تقديم المعلومات المطلوبة، والمساهمة في خدمات البنى التحتية المرتبطة بالمشروع وفق الضوابط. كما ورد ضمن النص التزام باستخدام اليد العاملة المحلية بنسبة لا تقل عن 60% من إجمالي العاملين، مع إمكانية طلب استثناء معلل عند تعذر ذلك.
هذه الالتزامات ذات أثر مباشر على المستثمر، لأنها تدخل في صلب التكاليف والتشغيل والامتثال. فشرط العمالة المحلية، مثلاً، قد يؤثر على خطة التوظيف والتدريب. ومتطلبات الحسابات والتقارير المالية تؤثر على النظام المحاسبي والحوكمة. والتأمين أو المساهمة في البنى التحتية قد يضيفان بنوداً يجب احتسابها في دراسة الجدوى.
لذلك، يجب ألا تُقرأ تعديلات 2025 من زاوية الحوافز فقط، بل من زاوية الالتزامات أيضاً.
عاشراً: المناطق الاقتصادية الخاصة
من التعديلات المهمة إدخال أو تنظيم مفهوم المنطقة الاقتصادية الخاصة، وهي مناطق تُحدث لأغراض استثمارية محددة ضمن النطاق الجمركي وفق ما يقرره المجلس المختص.
أهمية هذه المناطق أنها قد تمنح بعض المشاريع إطاراً مكانياً وتنظيمياً مختلفاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع تحتاج إلى بنية تحتية أو تجمعات إنتاجية أو مزايا مرتبطة بالموقع.
لكن المستثمر يحتاج إلى التحقق من تفاصيل كل منطقة عند التطبيق: ما النشاطات المسموحة؟ ما الحوافز؟ ما شروط الأرض أو الإيجار أو التملك أو الاستثمار؟ ما الخدمات المتاحة؟ وما الالتزامات المرتبطة بالموقع؟
حادي عشر: تسوية المنازعات
يشير الإطار المعدل إلى إمكانية تسوية المنازعات بطرق متعددة، منها الحلول الودية أو التحكيم أو القضاء المختص وفق الشروط القانونية ذات الصلة. وهذه النقطة مهمة خصوصاً للمشاريع الكبيرة أو المشتركة أو ذات التمويل الخارجي، لأنها تؤثر على صياغة العقود والاتفاقيات التأسيسية.
عملياً، لا ينبغي ترك مسألة النزاعات إلى ما بعد حدوث الخلاف. يجب أن تكون آلية فض النزاع واضحة منذ البداية في العقود، وخاصة في المشاريع التي تضم شركاء، أو ممولين، أو أطرافاً أجنبية، أو عقود توريد وتنفيذ طويلة.
ما الأثر العملي للمرسوم على المستثمر؟
يمكن تلخيص الأثر العملي للمرسوم رقم 114 لعام 2025 في النقاط التالية:
أولاً، يجعل مسار إجازة الاستثمار أكثر ارتباطاً بالتراخيص والموافقات اللازمة للتنفيذ.
ثانياً، يعزز دور هيئة الاستثمار السورية ومركز خدمات المستثمرين كمسار مركزي للتعامل مع المستثمرين.
ثالثاً، يحدد مدة للبت في الإجازة بعد استكمال الوثائق والتكاليف.
رابعاً، يربط الحوافز بنطاقات وشروط محددة، ما يستلزم التحقق من انطباقها على كل مشروع.
خامساً، يبرز التزامات المستثمر بوضوح أكبر، خصوصاً في الجوانب المحاسبية والعمالية والضريبية والتشغيلية.
سادساً، يجعل قراءة قانون الاستثمار جزءاً ضرورياً من دراسة الجدوى، وليس خطوة قانونية لاحقة فقط.
ماذا يجب أن يسأل المستثمر قبل التقديم؟
قبل التقدم بطلب إجازة استثمار، من المفيد أن يراجع المستثمر الأسئلة التالية:
هل المشروع مشمول بأحكام قانون الاستثمار؟
هل يحتاج المشروع إلى إجازة استثمار؟
ما الوثائق المطلوبة لتقديم الملف؟
ما التراخيص والموافقات التي يحتاجها المشروع؟
هل موقع المشروع داخل منطقة تنموية أو تخصصية أو اقتصادية خاصة؟
هل يستفيد المشروع من حوافز جمركية أو ضريبية؟
ما الالتزامات المالية والمحاسبية والضريبية؟
هل تؤثر نسبة العمالة المحلية المطلوبة على خطة التشغيل؟
هل تم احتساب تكاليف الامتثال والتأمين والبنى التحتية؟
ما المسار المتاح في حال رفض الطلب أو تأخر البت فيه؟
هل تتضمن العقود آلية واضحة لتسوية المنازعات؟
هذه الأسئلة تساعد المستثمر على تحويل القانون من نص عام إلى أداة عملية داخل دراسة الجدوى.
ما الذي لا يحسمه هذا المقال؟
هذه المادة تقدم قراءة عملية في المرسوم رقم 114 لعام 2025، لكنها لا تغني عن قراءة النص القانوني الكامل، ولا عن مراجعة التعليمات التنفيذية والقرارات المرتبطة به، ولا عن استشارة مختص قانوني أو استثماري عند التقديم الفعلي.
كما أن تطبيق الحوافز والالتزامات قد يختلف بحسب طبيعة المشروع، القطاع، الموقع، نوع الاستثمار، والجهات المعنية. لذلك، يجب التعامل مع هذه المادة بوصفها دليلاً تفسيرياً أولياً، لا بديلاً عن التحقق الرسمي.
خلاصة
المرسوم رقم 114 لعام 2025 لا يمثل قانون استثمار جديداً بالكامل، بل تعديلاً مهماً على قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 وتعديلاته. وتكمن أهميته في أنه أعاد ضبط عدد من العناصر العملية في مسار الاستثمار، مثل تعريف إجازة الاستثمار، دور هيئة الاستثمار السورية، مركز خدمات المستثمرين، المدد الإجرائية، الحوافز، الالتزامات، والمنازعات.
بالنسبة للمستثمر، لا تكفي قراءة المرسوم من زاوية الحوافز فقط. الأهم هو فهم كيف يؤثر على ملف المشروع، والوثائق المطلوبة، والتراخيص، والمدة، والتكاليف، والعمالة، والامتثال.
لذلك، يجب أن يدخل هذا التعديل ضمن مرحلة دراسة الجدوى القانونية والتنظيمية لأي مشروع استثماري جاد في سوريا، لأنه قد يؤثر مباشرة في تكلفة المشروع، وتوقيت إطلاقه، وشروط تشغيله، ومدى استفادته من الحوافز.