65 ألف صهريج و329 ألف طن خلال أربعة أشهر: هل يتحول منفذ التنف إلى البوابة الشرقية الكبرى للترانزيت السوري؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
خلال أربعة أشهر تقريباً، تحول منفذ التنف من معبر أعيد افتتاحه إلى واحد من أكثر المؤشرات وضوحاً على عودة حركة الترانزيت عبر سوريا.
فمنذ إعادة افتتاحه مطلع نيسان وحتى نهاية تموز 2026، سجل المنفذ عبور أكثر من 65 ألف صهريج فيول، إلى جانب قرابة 10 آلاف شاحنة نقلت نحو 329 ألف طن من البضائع، وفق الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية. وفي 4 آب، كانت الهيئة قد سجلت نحو 155 ألف عبور لسائقي الشاحنات والصهاريج في الاتجاهين منذ إعادة فتح المنفذ.
لكن أهمية هذه الأرقام تتجاوز المعبر نفسه.
فالجزء الأكبر من حركة الصهاريج مرتبط بممر جديد أصبح ينقل الفيول العراقي براً عبر سوريا إلى بانياس، ومنه بحراً إلى أسواق في المتوسط وحتى الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه تبحث سوريا والسعودية تشغيل محور:
التنف → الوليد في العراق → عرعر في السعودية
كمسار ترانزيت إضافي، فيما تتحدث وزارة النقل السورية عن محور مستقبلي يربط مرفأ طرطوس بالتنف ضمن شبكة طرق استراتيجية.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي:
هل ما نراه طفرة مؤقتة سببها نقل الفيول العراقي بالشاحنات؟
أم:
بداية تشكل ممر تجاري ولوجستي دائم يربط العراق والخليج بالبحر المتوسط عبر سوريا؟
الإجابة ستحدد ما إذا كان التنف سيبقى معبراً مزدحماً بالصهاريج، أم يتحول إلى عقدة اقتصادية تتشكل حولها الطرق والمستودعات والموانئ الجافة والخدمات والشركات.
ماذا تقول أرقام التنف فعلياً؟
هناك رقمان مختلفان يجب عدم الخلط بينهما.
الرقم الأول:
أكثر من 65 ألف صهريج فيول.
والرقم الثاني:
نحو 10 آلاف شاحنة تحمل بضائع بوزن إجمالي يقارب 329 ألف طن.
إذا وزعنا هذه الحركة حسابياً على الفترة بين بداية نيسان ونهاية تموز، أي نحو 122 يوماً، فإن الأرقام تعادل في المتوسط التقريبي أكثر من:
530 صهريجاً يومياً.
و:
نحو 82 شاحنة بضائع يومياً.
لكن الحركة لم تكن متساوية طوال الفترة، وقد ارتفعت تدريجياً مع توسع عمليات نقل الفيول.
أما متوسط حمولة شاحنات البضائع، وفق قسمة الـ329 ألف طن على قرابة 10 آلاف شاحنة، فيقترب حسابياً من:
33 طناً للشاحنة.
هذه حسابات تقريبية مبنية على الأرقام المعلنة وليست مؤشرات رسمية منشورة.
لكنها تكشف الحجم الذي وصل إليه الممر خلال فترة قصيرة.
الطاقة أولاً.. لماذا تهيمن الصهاريج على الحركة؟
الفارق الضخم بين 65 ألف صهريج و10 آلاف شاحنة بضائع ليس صدفة.
ففي 1 نيسان 2026 بدأت قوافل الفيول العراقي بالدخول عبر التنف باتجاه بانياس، ضمن مسار يسمح للعراق بنقل الفيول براً إلى الساحل السوري ثم إعادة تصديره بحراً.
نشأ هذا المسار في ظل اضطرابات حركة التصدير العراقية عبر الخليج ومضيق هرمز، ما دفع بغداد إلى البحث عن منافذ بديلة.
وفي حزيران، ذكرت رويترز أن العراق تعاقد على توريد نحو 650 ألف طن من الفيول شهرياً لفترة من نيسان إلى حزيران عبر المسار السوري، رغم أن النقل البري أعلى تكلفة من التصدير البحري التقليدي.
وبحلول تموز، كانت نحو 900 صهريج يومياً تفرغ الفيول العراقي في بانياس بحسب الشركة السورية للبترول كما نقلت رويترز، بينما أصبح المرفأ يحمل ناقلة من الفيول العراقي كل سبعة إلى عشرة أيام تقريباً.
وهذا يفسر لماذا ارتفعت حركة التنف بهذه السرعة.
من التنف إلى الولايات المتحدة.. الممر السوري أصبح دولياً فعلياً
قد يكون أهم ما يميز المسار أنه لم يعد مجرد تجارة ثنائية بين سوريا والعراق.
في تموز بدأت الولايات المتحدة للمرة الأولى استيراد شحنات من الفيول العراقي خرجت عبر بانياس بعد وصول الخام الثقيل براً عبر سوريا.
وأظهرت بيانات الشحن أن منتجات خرجت من بانياس وصلت أيضاً إلى أسواق بينها إسبانيا ومصر.
وفي حزيران وحده، تجاوزت صادرات الفيول العراقي المنقولة عبر سوريا 600 ألف طن وفق بيانات شحن أوردتها رويترز، ما جعل سوريا خلال ذلك الشهر من أبرز نقاط خروج الفيول في الشرق الأوسط من الناحية الإحصائية، رغم أن السلعة نفسها عراقية المنشأ.
وهنا تظهر دلالة مهمة:
التنف لا يربط العراق بالسوق السورية فقط.
هو جزء من ممر:
العراق → التنف → الأراضي السورية → بانياس → الأسواق العالمية.
وهذا بالفعل نموذج ترانزيت دولي، لا مجرد معبر حدودي تقليدي.
لكن 329 ألف طن من البضائع قد تكون أهم من 65 ألف صهريج على المدى الطويل
اقتصادياً، قد يكون الرقم الأقل إثارة بصرياً هو الأكثر أهمية مستقبلاً.
قرابة 10 آلاف شاحنة تجارية نقلت 329 ألف طن من البضائع عبر التنف خلال الفترة نفسها.
لم تنشر الهيئة في البيان نفسه تفصيلاً كاملاً لأنواع هذه البضائع أو اتجاهاتها أو قيمتها.
لذلك لا يمكن افتراض أنها صادرات سورية أو واردات عراقية جميعها.
لكن وجود هذا الحجم إلى جانب الطاقة يعني أن المنفذ بدأ يحمل وظيفتين:
ممر طاقة.
و:
ممر بضائع عامة وترانزيت.
والوظيفة الثانية تحديداً هي التي ستحدد ما إذا كان نشاط التنف سيبقى قوياً حتى عندما تتغير ظروف سوق النفط.
المفارقة: نجاح خط النفط قد يخفض عدد الصهاريج مستقبلاً
هناك مفارقة تستحق الانتباه.
الحركة الاستثنائية الحالية عبر التنف نتجت جزئياً عن غياب أنبوب نفطي قادر على نقل الكميات العراقية إلى المتوسط.
لهذا تتحرك عشرات آلاف الصهاريج على الطرق.
لكن سوريا والعراق تدرسان اليوم مشروع أنابيب جديداً باتجاه بانياس، وقد تصل طاقته المستهدفة مستقبلاً إلى نحو مليوني برميل يومياً إذا وصل المشروع إلى التمويل والتنفيذ.
إذا أصبح الأنبوب واقعاً، فإن جزءاً كبيراً من نقل السوائل النفطية بالشاحنات يمكن أن يفقد جدواه.
وهذا يعني أن نجاح التنف الحقيقي لا يجب أن يقاس فقط بقدرته على استقبال صهاريج الفيول الحالية.
يجب استغلال المرحلة الحالية لبناء حركة بضائع عامة وخدمات لوجستية تستطيع الاستمرار حتى لو انتقلت الطاقة لاحقاً من الشاحنات إلى الأنابيب.
هذه نقطة استراتيجية في تخطيط المنفذ.
الطريق نفسه بدأ يشعر بالضغط
في المباحثات السورية–السعودية الأخيرة، تحدث الجانب السوري عن حركة نقل على الطريق المؤدي إلى التنف تقارب ألف صهريج وشاحنة يومياً، وهو ما دفع إلى طرح إعادة تأهيل الطريق وتوسعته لاستيعاب الحركة المتزايدة.
وهذا الرقم لا يعني بالضرورة أن ألف مركبة تعبر الحدود يومياً؛ فهو يتعلق بحركة الطريق وفق العرض السوري.
لكن التمييز نفسه يكشف المشكلة.
المعبر ليس العنصر الوحيد الذي يجب تطويره.
هناك:
الطريق قبل المعبر.
ساحات الانتظار.
مراكز وزن الشاحنات.
محطات الوقود.
الاستراحات.
الحماية.
الصيانة.
الإسعاف.
الاتصالات.
ونقاط التفتيش.
كل اختناق على واحد من هذه العناصر يمكن أن يخفض القيمة الاقتصادية للممر بأكمله.
لذلك يجري تأهيل منفذ التنف نفسه
تقول الهيئة العامة للمنافذ والجمارك إنها تنفذ أعمال إنشاء وتأهيل شاملة داخل المنفذ بهدف:
رفع الطاقة الاستيعابية.
تحسين البنية التحتية.
زيادة كفاءة التشغيل.
تسريع الإجراءات.
وتنظيم حركة الصهاريج والشاحنات.
كما أكدت الهيئة في بداية آب استمرار خطة تطوير المنفذ بالتوازي مع ارتفاع حركة النقل، بعد تسجيل نحو 155 ألف عبور للسائقين في الاتجاهين.
هذه خطوة ضرورية.
لكن إذا استمرت الحركة بالنمو، فقد يصبح المطلوب أكبر من تحسين أبنية المعبر.
سيصبح المطلوب تطوير مجمع حدودي لوجستي.
من معبر حدودي إلى منطقة لوجستية
هذه هي الفرصة الأكبر حول التنف.
بدلاً من أن تكون الوظيفة:
الشاحنة تصل → تختم أوراقها → تغادر.
يمكن أن تنشأ حول المنفذ خدمات مثل:
ساحات انتظار منظمة.
مستودعات.
مناطق جمركية.
محطات لتجميع الشحنات.
مراكز صيانة وإطارات.
محطات وقود.
مطاعم واستراحات.
خدمات تأمين.
مكاتب نقل وشحن.
خدمات رقمية لتتبع المركبات.
مراكز وزن وفحص.
خدمات للسائقين.
وربما لاحقاً ميناء جاف أو منطقة لوجستية ذات وظيفة أوسع.
كل خدمة من هذه الخدمات تعني أن سوريا لا تحصل على رسم العبور فقط، بل تحتفظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية الناتجة عن الحركة.
المسار الجديد نحو السعودية يرفع قيمة التنف أكثر
القصة لا تتوقف عند العراق.
في 13 آب بحث مسؤولون سوريون وسعوديون تفعيل محور:
التنف → الوليد → عرعر
بوصفه طريق ترانزيت بديلاً وأقصر بين سوريا والعراق والسعودية، ويمكن أن يخفف الضغط عن طريق نصيب–الأردن ويخدم شمال المملكة.
ويجري كذلك العمل على تعديل نظام العبور في منفذ جديدة عرعر بحيث ينتقل من التفريغ والمناقلة إلى الترانزيت المباشر لمختلف الجنسيات والبضائع، بعد تجربة عبور شاحنات تركية، مع توقعات باستكمال التعديلات اللازمة خلال الأشهر المقبلة.
إذا تحقق ذلك، تتغير وظيفة التنف مرة أخرى.
لن يكون فقط:
سوريا ↔ العراق
بل يمكن أن يصبح جزءاً من:
سوريا ↔ العراق ↔ السعودية والخليج.
لماذا يحتاج هذا الطريق إذا كان هناك نصيب؟
لأن الممرات اللوجستية القوية لا تعتمد عادةً على طريق واحد.
حالياً يجري تطوير محور:
تركيا → سوريا → الأردن → السعودية
وتقول المباحثات الأخيرة إن حركة الشاحنات عليه ارتفعت من نحو 10 إلى 30 شاحنة يومياً، مع توقع الوصول إلى 100.
أما التنف فيوفر مساراً شرقياً إضافياً عبر العراق.
من الناحية الاقتصادية، وجود مسارين يمنح:
مرونة في مواجهة الازدحام.
بدائل عند تعطل منفذ.
خيارات مختلفة حسب وجهة البضاعة داخل السعودية.
قدرة أعلى على توزيع حركة الشاحنات.
ومرونة أكبر لشركات النقل في اختيار الطريق الأقل كلفة أو زمناً.
وهذه واحدة من سمات الدولة التي تريد التحول من «طريق عبور» إلى شبكة ترانزيت.
وماذا عن تركيا والعراق؟
سوريا بدأت بالفعل باستعادة دور مباشر في الترانزيت بين الدولتين.
في أيار عبرت أول قافلة ترانزيت من تركيا إلى العراق عبر الأراضي السورية، من منفذ تل أبيض باتجاه منفذ اليعربية، بعد إعادة افتتاحه.
وهذا يعني أن شبكة الممرات السورية الشرقية لا تقتصر على التنف وحده.
هناك:
التنف–الوليد.
اليعربية–ربيعة.
البوكمال–القائم.
وممرات أخرى يجري إعادة تشغيلها تدريجياً.
ما يمنح سوريا إمكانية بناء أكثر من محور شرق–غرب وشمال–جنوب إذا نجحت في ربط المنافذ بالطرق والمراكز اللوجستية.
الطريق من طرطوس إلى التنف.. هل تصبح سوريا جسراً بين العراق والمتوسط؟
هذه إحدى أهم الأفكار المطروحة في استراتيجية الطرق السورية الجديدة.
وزارة النقل أعلنت في حزيران أن من المشاريع المستقبلية المقترحة إنشاء طريق مأجور على محور:
مرفأ طرطوس → منفذ التنف
ضمن توجه لتطوير طرق سريعة تخدم الترانزيت وتربط الموانئ بالمنافذ الحدودية.
وحتى الآن، هذا مشروع مستقبلي وليس طريقاً سريعاً جديداً دخل التنفيذ.
لكن المنطق الاقتصادي واضح.
إذا وصلت الشاحنة العراقية إلى التنف، ثم وجدت أمامها طريقاً سريعاً عالي الكفاءة إلى طرطوس، يمكن اختصار الوقت والكلفة وتقليل الضغط على شبكة الطرق الحالية.
وبالتالي يصبح الممر:
العراق → التنف → حمص → طرطوس → المتوسط.
وهو مسار لا يخدم النفط وحده.
يمكن أن يخدم الحاويات والصادرات والواردات والترانزيت التجاري.
تكلفة الطرق أصبحت عنصراً استثمارياً بحد ذاته
تقدر وزارة النقل السورية كلفة إعادة تأهيل الطرق الرئيسية حالياً بنحو 300 إلى 500 مليون دولار، مع طرح مناقصات دولية واستقبال عروض من شركات خارجية، بينما تشمل الأولويات محور الحدود الأردنية–دمشق–حلب ومحور دمشق باتجاه التنف ودير الزور.
كما تخطط الحكومة على المدى المتوسط لمحاور طرق جديدة يمكن تنفيذها على مدى خمس إلى سبع سنوات، بما في ذلك طرق مأجورة بالتشارك مع القطاع الخاص.
وهذا يعني أن عودة الترانزيت لا تولد إيرادات النقل فقط.
هي نفسها تخلق سوق استثمار في البنية التحتية.
كم تبلغ القيمة الاقتصادية للترانزيت؟
لا توجد حتى الآن بيانات منشورة تسمح بحساب كامل الإيرادات التي حققتها سوريا من حركة التنف.
نحتاج لذلك إلى معرفة:
رسوم العبور.
رسوم الطرق.
الجمارك والخدمات.
النقل السوري المشارك.
تكاليف المناولة.
الإيرادات المرتبطة ببانياس.
ومشتريات الصهاريج والسائقين داخل سوريا.
لكن من المهم عدم اختزال العائد في رسوم المعبر.
يمكن تقسيم اقتصاد الترانزيت إلى أربع طبقات:
الطبقة الأولى: رسوم مباشرة
العبور والخدمات والطرق والمنافذ.
الطبقة الثانية: خدمات النقل
وقود وصيانة وإطارات واستراحات وتأمين.
الطبقة الثالثة: الخدمات اللوجستية
مستودعات ومراكز توزيع وتخليص ومناولة وموانئ جافة.
الطبقة الرابعة: جذب الاستثمار
مصانع ومراكز توزيع وشركات تختار الموقع السوري بسبب قربه من طريق دولي وأسواق متعددة.
كلما ارتفعت سوريا من الطبقة الأولى إلى الرابعة، ارتفعت القيمة التي تحتفظ بها من مرور كل شاحنة.
155 ألف عبور للسائقين.. ماذا يعني للمنفذ؟
بحلول 4 آب، قالت هيئة المنافذ والجمارك إن نحو 155 ألف سائق شاحنة وصهريج عبروا التنف في الاتجاهين منذ إعادة افتتاحه.
هذا الرقم لا يساوي عدد المركبات الفريدة؛ فقد يعبر السائق أو المركبة في الذهاب والعودة، كما أن فترة القياس تختلف قليلاً عن أرقام نهاية تموز.
لكن القيمة التشغيلية للرقم واضحة.
المنفذ أصبح يتعامل مع حركة بشرية ومركبات كبيرة ومتكررة.
وهذا يحتاج إلى خدمات لا توجد عادةً في المعبر الصغير:
إدارة حركة.
مرافق للسائقين.
إجراءات إلكترونية.
فصل مسارات الصهاريج عن البضائع.
أنظمة سلامة.
ساحات انتظار واسعة.
وتشغيل على مدار الساعة بكفاءة عالية.
الصهاريج نفسها تحمل تكلفة خفية
الحركة الضخمة للشاحنات والصهاريج لا تولد دخلاً فقط.
هي تستهلك الطريق أيضاً.
النقل الثقيل يرفع الحاجة إلى:
الصيانة.
إعادة الرصف.
إصلاح الجسور.
التعامل مع الحوادث.
مراقبة الأوزان.
وتحسين السلامة المرورية.
ورويترز وثقت خلال تشغيل ممر الفيول العراقي مشكلات مرتبطة بطول أرتال الصهاريج والحوادث والتسربات وحالة الطرق على بعض المقاطع السورية.
ولهذا فإن السؤال المالي يجب أن يكون:
هل الإيرادات الناتجة عن الترانزيت تكفي ليس فقط لتشغيل المعبر، بل أيضاً لصيانة البنية التي يستهلكها؟
بدون هذه المعادلة، يمكن أن تتحول حركة الشحن الكبيرة إلى ضغط على الأصول بدلاً من أن تكون مكسباً صافياً.
فرصة أمام شركات النقل السورية
ارتفاع حركة التنف يمكن أن يخلق سوقاً واضحة للشركات السورية.
الفرص لا تقتصر على امتلاك الشاحنات.
هناك طلب محتمل على:
إدارة الأساطيل.
التخليص الجمركي.
التأمين.
الصيانة.
الإطارات وقطع الغيار.
تتبع المركبات.
تجميع الشحنات.
التخزين.
خدمات السائقين.
النقل الداخلي بين الحدود والموانئ.
وخدمات سلاسل الإمداد.
إذا نمت حركة البضائع العامة، يصبح من الممكن ظهور شركات لوجستية سورية ذات نموذج أكبر من «شاحنة تنقل حمولة من نقطة إلى أخرى».
وفرصة أمام حمص أيضاً
إدارياً، يقع التنف ضمن محافظة حمص.
وهذا يربط الملف بمادة أخرى ناقشتها بوابة الأعمال السورية مؤخراً حول محاولة تحويل حمص إلى عقدة صناعية ولوجستية، بما فيها حسياء والمرفأ الجاف والسكك وشبكة الطرق.
إذا تطور محور طرطوس–حمص–التنف، يمكن أن تقع حمص في منتصف شبكة تربط:
الساحل غرباً.
العراق شرقاً.
دمشق والجنوب.
وحلب وتركيا شمالاً.
وهنا تصبح قيمة المحافظة اللوجستية أكبر من مجرد وجود مدينة صناعية واحدة.
إنها قيمة التقاطع.
ماذا ينقص التنف ليصبح بوابة تجارية حقيقية؟
خمسة ملفات رئيسية.
1. طريق عالي الكفاءة
ليس مجرد طريق صالح للحركة، بل محور قادر على تحمل آلاف المركبات الثقيلة بصورة مستدامة.
2. توسعة المعبر
مع مسارات منفصلة للصهاريج والبضائع والعبور السريع وساحات انتظار مناسبة.
3. رقمنة الإجراءات
كل ساعة تنتظرها الشاحنة على الحدود تضيف كلفة على البضاعة.
4. منطقة خدمات لوجستية
حتى لا تمر القيمة الاقتصادية كلها دون أن تتوقف داخل سوريا.
5. تنويع البضائع
وهو الأهم.
فإذا بقي نشاط التنف قائماً في معظمه على الفيول، سيظل عرضة لتغير مسار الطاقة.
أما إذا نما الترانزيت التجاري العام، يصبح الممر أكثر استدامة.
من أين يأتي أكبر خطر؟
أكبر خطر اقتصادي ليس انخفاض عدد الصهاريج.
بل بناء نموذج المنفذ على افتراض أن الحركة الحالية دائمة.
فالحركة النفطية الحالية مرتبطة بظروف استثنائية في أسواق الطاقة ومسارات التصدير العراقية، والعراق نفسه يعمل على تطوير خطوط أنابيب ومسارات بديلة.
لهذا يجب النظر إلى صهاريج 2026 بوصفها:
فرصة لتشغيل الممر وإثبات قدرته.
وليس:
ضماناً لحجم حركة دائم لعشرين عاماً.
الاستدامة ستأتي من البضائع والشركات والخدمات والتكامل مع السعودية وتركيا والموانئ.
ثلاثة سيناريوهات أمام التنف
السيناريو الأول: ممر طاقة مؤقت
تستمر حركة الفيول لفترة، ثم تنخفض بعد عودة طرق التصدير التقليدية أو تطوير خطوط الأنابيب.
وتبقى حركة التجارة العامة محدودة.
في هذه الحالة يكون النمو الحالي استثنائياً أكثر منه تحولاً هيكلياً.
السيناريو الثاني: بوابة سورية–عراقية نشطة
يستقر التبادل التجاري وتتوسع حركة البضائع بين البلدين، بينما تصبح الصهاريج جزءاً أقل أهمية من النشاط.
هنا يصبح التنف أحد المعابر التجارية المهمة دون أن يتحول إلى عقدة إقليمية كبرى.
السيناريو الثالث: ممر العراق–سوريا–المتوسط والخليج
يتم تأهيل الطريق.
يُفعّل الترانزيت عبر عرعر.
تنمو تجارة العراق والسعودية عبر المسار.
يرتبط التنف بطرطوس.
وتنشأ حوله خدمات ومراكز لوجستية.
عندها يتحول المعبر إلى جزء من شبكة تمتد:
المتوسط ← سوريا → العراق → السعودية والخليج.
هذا هو السيناريو الأعلى قيمة بالنسبة إلى الاقتصاد السوري.
سبعة مؤشرات يجب مراقبتها خلال العام المقبل
بدلاً من الاكتفاء بأخبار «زيادة الحركة»، يمكن قياس تحول التنف من خلال سبعة مؤشرات:
1. عدد شاحنات البضائع شهرياً، باستثناء صهاريج الفيول.
هذا أهم مؤشر على استدامة الممر.
2. حجم الأطنان التجارية العابرة.
هل تتجاوز 329 ألف طن بصورة منتظمة؟
3. متوسط زمن عبور الشاحنة في المنفذ.
فالكفاءة لا تقاس بالعدد فقط.
4. تقدم أعمال التأهيل والتوسعة.
ومتى تصل الطاقة التشغيلية الجديدة إلى الخدمة؟
5. تقدم إعادة تأهيل طريق التنف.
وهل يبدأ تنفيذ محور طرطوس–التنف؟
6. اعتماد الترانزيت المباشر عبر عرعر.
وهو ما سيحدد قدرة التنف على الاتصال بالسوق السعودية.
7. نسبة الطاقة إلى البضائع العامة.
كلما ارتفعت حصة البضائع التجارية، أصبح الممر أكثر استدامة اقتصادياً.
من «الموقع الاستراتيجي» إلى رقم يمكن قياسه
لعقود، استُخدمت عبارة:
سوريا تتمتع بموقع استراتيجي.
لكن الموقع لا يخلق قيمة اقتصادية وحده.
القيمة تبدأ عندما يمكن قياس:
كم شاحنة تمر؟
كم طن يُنقل؟
كم ساعة يحتاج العبور؟
كم تدفع البضاعة للوصول؟
وكم دولاراً يبقى داخل الاقتصاد السوري نتيجة مرورها؟
أرقام التنف الجديدة مهمة لأنها تبدأ بالإجابة عن الجزء الأول من هذه الأسئلة.
65 ألف صهريج.
10 آلاف شاحنة.
329 ألف طن.
155 ألف عبور للسائقين.
الخطوة التالية هي الانتقال من قياس حجم الحركة إلى قياس قيمتها الاقتصادية.
الخلاصة
منفذ التنف يقدم اليوم أحد أوضح الأمثلة على عودة موقع سوريا الجغرافي إلى العمل كأصل اقتصادي.
خلال أشهر قليلة، انتقل من إعادة افتتاح إلى حركة بعشرات آلاف الصهاريج والشاحنات.
وأصبح جزءاً من مسار ينقل الفيول العراقي إلى بانياس، ومن بانياس إلى أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه أصبح مطروحاً كحلقة في ممر يصل سوريا عبر العراق بالسعودية، بينما تخطط وزارة النقل لمحور مستقبلي يربط مرفأ طرطوس بالحدود العراقية عند التنف.
لكن الرقم الكبير للصهاريج يجب ألا يحجب السؤال الأهم.
هل يستطيع التنف الاستمرار كمعبر قوي إذا لم تعد آلاف صهاريج الفيول بحاجة إلى الطريق السوري؟
الإجابة تعتمد على ما يحدث الآن.
إذا استخدمت سوريا الطفرة الحالية لتأهيل الطريق والمعبر فقط، فستكون قد حسنت منفذاً حدودياً.
أما إذا استخدمتها لبناء:
منطقة لوجستية + طريق سريع + تخليص رقمي + مستودعات + خدمات نقل + اتصال بالسعودية + ربط بالموانئ
فقد تكون بصدد بناء شيء مختلف تماماً:
البوابة الشرقية لممر تجاري يمتد من العراق والخليج إلى البحر المتوسط.
وهنا تصبح قيمة الـ65 ألف صهريج أنها لم تكن الهدف النهائي.
بل ربما كانت الاختبار الأول لقدرة هذا الممر على العودة إلى العمل.