5 مليارات دولار للبنية الرقمية: سوريا تعيد بناء سوق الاتصالات وتستعد لتصبح ممراً إقليمياً للبيانات

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
قدّر وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل حجم الاستثمارات التي تحتاجها سوريا في البنية التحتية الرقمية وقطاع الاتصالات والتحول الرقمي بما لا يقل عن 5 مليارات دولار، في رقم يكشف حجم الفجوة التي يسعى القطاع إلى تجاوزها، لكنه في الوقت نفسه يضع سوق الاتصالات السوري أمام واحدة من أكبر موجات الاستثمار القطاعي المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر الصورة التي عرضها الوزير خلال مشاركته في مؤتمر ومعرض LEAP 2026 في الرياض على إعادة تأهيل شبكات الاتصالات المحلية، بل تمتد إلى بناء شبكة ألياف ضوئية جديدة، وتحديث شبكات الهاتف المحمول، وتطوير مراكز البيانات والخدمات الرقمية، ومحاولة تحويل الموقع الجغرافي السوري إلى جزء من ممر إقليمي لحركة البيانات يربط البحر المتوسط بالأردن والسعودية ومنها باتجاه الأسواق الآسيوية.
ويتزامن ذلك مع توقيع سوريا، في الأول من أيلول 2026، اتفاقية مع منظمة التعاون الرقمي DCO في الرياض لتطوير البنية التحتية والخدمات الرقمية وتبادل الخبرات التقنية، بما يضيف بعداً مؤسسياً وإقليمياً إلى مسار إعادة بناء القطاع.
ماذا يعني رقم 5 مليارات دولار؟
من المهم التمييز بين حجم الاحتياجات الاستثمارية وبين قيمة العقود المنفذة أو الملتزم بها فعلياً.
فالـ5 مليارات دولار لا تمثل حزمة استثمار واحدة جرى توقيعها، بل تقديراً لحجم الاستثمارات المطلوبة عبر مجموعة من مكونات القطاع.
وفي تصريحات نُشرت بالتزامن مع مؤتمر LEAP، جرى توزيع جزء كبير من هذه الاحتياجات على ثلاثة مسارات رئيسية: أكثر من مليار دولار تقريباً لتطوير الشبكة الرئيسية للاتصالات، ونحو مليار دولار إضافي للبنية التحتية للألياف الضوئية، وأكثر من 3 مليارات دولار مستهدفة في قطاع الهاتف المحمول والاستثمارات المرتبطة به.
وفي تصريح آخر نقلته صحيفة «الوطن» عن الوزير، قُدرت الاستثمارات المستهدفة لتطوير البنية التحتية للاتصالات بنحو 4.5 مليارات دولار، مع الإشارة إلى اعتماد نحو ملياري دولار منها حتى الآن. ويشير اختلاف الرقمين على الأرجح إلى اختلاف نطاق الحساب بين البنية التحتية للاتصالات تحديداً وبين التقدير الأوسع للبنية الرقمية والتحول الرقمي.
وبالتالي، فإن الأهم بالنسبة لقطاع الأعمال ليس التعامل مع الـ5 مليارات دولار بوصفها تمويلاً محسوماً، وإنما باعتبارها مؤشراً إلى الحجم الذي تستهدفه الدولة لإعادة بناء السوق خلال السنوات المقبلة.
«سيلك لينك»: البنية الأساسية للمشروع الرقمي الجديد
يقع مشروع «سيلك لينك» في قلب هذا التحول، إذ يستهدف بناء شبكة اتصالات رئيسية جديدة تمتد عبر الجغرافيا السورية.
وفازت مجموعة الاتصالات السعودية STC بالمشروع الذي تقدر استثماراته بما يقارب مليار دولار، ويتضمن إنشاء شبكة ألياف ضوئية رئيسية بطول نحو 4,500 كيلومتر، إلى جانب بنية لمراكز البيانات ومحطات إنزال الكابلات البحرية ومكونات للربط الإقليمي والدولي.
لكن الأهمية الاقتصادية للمشروع تتجاوز مسألة تحسين سرعة الإنترنت داخل سوريا.
فالوزارة تتطلع إلى استخدام الشبكة الجديدة لإعادة إدخال سوريا في مسارات نقل البيانات الإقليمية والدولية، مستفيدةً من موقعها بين البحر المتوسط والأردن ودول الخليج.
وبحسب تصريحات الوزير، يجري العمل على مسار جديد لنقل البيانات عبر سوريا والأردن والسعودية، مع توقع الإعلان عن اتفاق جديد لربط هذه المسارات. وفي حال انتقال هذه الرؤية إلى التنفيذ، فإن سوريا لن تكون مجرد مستهلك لخدمات الاتصال الدولية، وإنما قد تصبح جزءاً من البنية التحتية الإقليمية لعبور البيانات.
وهذا التحول يحمل أهمية اقتصادية مختلفة؛ لأن حركة البيانات العابرة للحدود ترتبط لاحقاً بمراكز البيانات، والاستضافة، والخدمات السحابية، ونقاط تبادل الإنترنت، والكابلات البحرية، وخدمات المشغلين والشركات التقنية.
الهاتف المحمول: استثمارات جديدة تتجاوز تحديث الشبكات القائمة
المسار الثاني الكبير يتمثل في سوق الهاتف المحمول.
ففي 30 حزيران 2026 حصلت مجموعة «زين» الكويتية على رخصة لمدة 25 عاماً لتشغيل شبكة اتصالات متنقلة في سوريا، بعد عرض بلغت قيمته 747 مليون دولار.
وبحسب الإعلان الرسمي للمجموعة، ستؤسس «زين» كياناً تشغيلياً جديداً تملك فيه 75% مقابل 25% لجهة حكومية سورية، كما تعتزم استثمار أكثر من 800 مليون دولار إضافية خلال السنوات العشر المقبلة لتحديث الشبكة ونشر تقنيات الجيل الخامس والخدمات والحلول الرقمية المرتبطة بها. ومن المتوقع إطلاق العلامة التجارية «زين سوريا» تجارياً خلال الربع الأول من عام 2027، بعد استكمال المتطلبات التنظيمية.
وبذلك تتجاوز القيمة الاقتصادية لهذا المسار مجرد انتقال تشغيل شبكة قائمة من مشغل إلى آخر.
فالبرنامج المعلن يتضمن استثمارات جديدة في 5G، وتحديث البنية الفنية، وإدخال خدمات رقمية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، إضافة إلى الاستفادة من المنظومة التقنية الإقليمية التي تمتلكها مجموعة زين.
وبالتوازي مع استثمارات «زين» ومشروع «سيلك لينك» والاستثمارات المتوقعة في شبكات المشغلين الآخرين، بدأت صورة السوق الجديدة تتشكل حول وجود عدة طبقات مترابطة: بنية تحتية رئيسية للألياف، شبكات هاتف محمول حديثة، مراكز بيانات، وربط إقليمي ودولي.
اتفاق منظمة التعاون الرقمي: بعد يتجاوز الاستثمار المباشر
في الأول من أيلول، وقعت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية اتفاقية مع منظمة التعاون الرقمي DCO في الرياض، بهدف تعزيز التعاون في التحول الرقمي وتطوير البنية التحتية والخدمات الرقمية وتبادل الخبرات التقنية.
وجاء الاتفاق على هامش مشاركة سوريا في مؤتمر LEAP 2026، الذي شهد أيضاً حضور شركات وجهات وشركات ناشئة سورية بهدف عرض المشاريع والحلول التقنية وفتح قنوات تعاون واستثمار جديدة.
ولا تعني الاتفاقية بحد ذاتها تدفق استثمارات مالية محددة، لكنها تكتسب أهميتها من كونها تضيف مساراً للتعاون المؤسسي وتبادل الخبرات إلى جانب مشاريع البنية التحتية والاستثمارات التجارية.
وبالنسبة لسوريا، التي تحاول إعادة بناء قطاع لم يشهد استثمارات تتناسب مع التطورات العالمية خلال سنوات طويلة، فإن نقل الخبرة وبناء القدرات التنظيمية والتقنية قد يكون عاملاً لا يقل أهمية عن توفير رأس المال.
ماذا يعني ذلك لقطاع الأعمال السوري؟
الأثر المباشر والأكثر وضوحاً يتعلق بجودة الاتصال وسعات نقل البيانات، لكن الأثر الاقتصادي المحتمل أوسع بكثير.
أولاً، البنية الرقمية أصبحت مكوناً أساسياً في تكلفة ممارسة الأعمال. فالشركات التي تعتمد على الخدمات السحابية والتجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والعمل عن بعد وأنظمة تخطيط الموارد وخدمات العملاء تحتاج إلى اتصال مستقر وسريع، وليس مجرد توفر خدمة الإنترنت.
ثانياً، تنفيذ مشاريع بهذا الحجم يخلق سوقاً جديدة للشركات المتخصصة في مد الألياف، والأعمال المدنية، وتجهيز الشبكات، والطاقة الاحتياطية، والأبراج، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، والبرمجيات والحلول المؤسسية والخدمات التقنية.
ثالثاً، تحسن البنية الرقمية يمكن أن يخفض أحد العوائق أمام دخول الشركات التقنية والإقليمية إلى السوق السورية، وخصوصاً الشركات التي يعتمد نموذج أعمالها على اتصال مستقر وقدرة عالية على تبادل البيانات.
رابعاً، دخول مشغلين ومجموعات إقليمية كبيرة مثل STC و«زين» يحمل إشارة إضافية إلى انتقال جزء من الاستثمار في سوريا من مشاريع إعادة التأهيل المحدودة إلى استثمارات طويلة الأجل في بنى تحتية ذات طبيعة استراتيجية.
خامساً، في حال نجاح مسار الربط بين سوريا والأردن والسعودية، قد يظهر نشاط اقتصادي جديد يرتبط بعبور البيانات ومراكز البيانات والخدمات السحابية والربط الإقليمي، وهي سوق مختلفة عن سوق الاتصالات التقليدية الموجهة للمستهلك المحلي.
أين يمكن أن تظهر فرص الشركات؟
لا تعني المشاريع المعلنة أن جميع الفرص أصبحت متاحة للتعاقد حالياً، لكن حجم البرنامج يشير إلى مجموعة من المجالات التي تستحق متابعة الشركات المحلية والإقليمية لها خلال مراحل التنفيذ، أبرزها:
- تنفيذ شبكات الألياف الضوئية والأعمال المدنية المرتبطة بها.
- تجهيز وتشغيل مراكز البيانات.
- البنية الكهربائية وأنظمة الطاقة الاحتياطية للشبكات.
- معدات الاتصالات والأبراج والتجهيزات الفنية.
- الأمن السيبراني وحماية الشبكات والبيانات.
- الحلول السحابية والاستضافة.
- أنظمة الإدارة والفوترة وخدمة العملاء.
- الحلول الرقمية الموجهة للشركات والمؤسسات الحكومية.
- التدريب التقني وبناء الكفاءات.
- خدمات الجيل الخامس وإنترنت الأشياء والحلول المرتبطة بها.
لكن تحول هذه المجالات إلى فرص أعمال فعلية سيعتمد على آليات طرح المشاريع، ومتطلبات التأهيل والترخيص، ونسب المكون المحلي، ونماذج التعاقد التي ستعتمدها الشركات المشغلة والجهات المنظمة.
من إصلاح الاتصالات إلى بناء اقتصاد رقمي
التحول الأكثر أهمية في الخطاب الحالي لقطاع الاتصالات السوري هو الانتقال من فكرة «إصلاح الإنترنت» إلى بناء بنية رقمية تستهدف خدمة الاقتصاد بكامله.
فوجود شبكة حديثة لا يخدم مستخدم الهاتف فقط، وإنما يشكل قاعدة لازمة لنمو التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية الحديثة، والمنصات الإلكترونية، والحكومة الرقمية، والشركات الناشئة، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي.
ويتزامن ذلك مع خطوات أخرى شهدتها سوريا خلال الأشهر الأخيرة في الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية وإعادة ربط السوق بالخدمات المالية والتقنية الدولية، ما يجعل ملف الاتصالات جزءاً من تحول اقتصادي أوسع وليس قطاعاً منفصلاً.
وفي هذا السياق، فإن معيار النجاح لن يكون حجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما مقدار ما يتحول منها إلى شبكات ومنشآت وخدمات تعمل فعلياً وتخفض تكلفة الاتصال وترفع موثوقيته بالنسبة للأفراد والشركات.
ما الذي يجب متابعته خلال المرحلة المقبلة؟
هناك مجموعة من المؤشرات ستحدد مدى تحول الأرقام الحالية إلى واقع اقتصادي:
أولها، الجدول التنفيذي الفعلي لمشروع «سيلك لينك» ومراحل تشغيل الشبكة الجديدة.
وثانيها، الإعلان المرتقب عن تفاصيل الربط الإقليمي للبيانات بين سوريا والأردن والسعودية.
وثالثها، استكمال الإجراءات التنظيمية لإطلاق «زين سوريا» والبدء التجاري المتوقع في الربع الأول من 2027.
ورابعها، حجم الاستثمارات الجديدة التي ستدخل فعلياً إلى شبكات الهاتف المحمول والألياف ومراكز البيانات.
وخامسها، الإطار التنظيمي الذي سيحكم المنافسة والوصول إلى البنية التحتية والأسعار وجودة الخدمات.
وسادسها، كيفية ترجمة اتفاق التعاون مع منظمة التعاون الرقمي إلى برامج ومشاريع وقدرات تنفيذية داخل سوريا.
الخلاصة
إعلان الحاجة إلى ما لا يقل عن 5 مليارات دولار لا يعني أن سوريا حصلت بالفعل على هذا المبلغ، لكنه يكشف حجم السوق الذي تسعى الدولة إلى بنائه في الاتصالات والبنية الرقمية.
ومع مشروع «سيلك لينك»، ودخول «زين»، والربط الإقليمي المرتقب، واتفاق التعاون مع منظمة التعاون الرقمي، تتشكل تدريجياً بنية مختلفة لقطاع الاتصالات السوري، تقوم على استثمارات إقليمية كبيرة وربط دولي وتقنيات حديثة بدلاً من الاقتصار على صيانة الشبكات القديمة.
إذا انتقلت هذه المشاريع من العقود والخطط إلى التنفيذ وفق جداول واضحة، فإن أثرها لن يبقى محصوراً في سرعة الإنترنت أو تغطية الهاتف المحمول، بل قد يمتد إلى تحسين بيئة الأعمال، وتوسيع سوق الخدمات التقنية، وتمكين المدفوعات والتجارة الرقمية، وجذب استثمارات جديدة، وإعادة تموضع سوريا ضمن خريطة الاتصال والبيانات الإقليمية.
وعندها يصبح الرقم الأهم ليس فقط «5 مليارات دولار»، وإنما حجم الاقتصاد الرقمي الذي يمكن أن تبنيه هذه البنية فوقها.