1.5 مليون متر مكعب يومياً: إعادة تشغيل “كونيكو” تعيد مورداً غازياً مهماً إلى منظومة الطاقة السورية

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
أعادت الشركة السورية للبترول تشغيل بئرين للغاز من أصل خمسة في حقل الطابية “كونيكو سابقاً” شرق دير الزور، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، في خطوة تعيد جزءاً من إنتاج أحد حقول الغاز المهمة في المنطقة الشرقية إلى منظومة الطاقة السورية بعد توقف طويل.
ولا تقتصر أهمية التطور على عودة بئرين إلى الإنتاج، إذ تزامن التشغيل مع إعادة تأهيل وحدة للإنتاج والمعالجة المبكرة للغاز، وإصلاح أجزاء من خط النقل الممتد من الحقل باتجاه تدمر، تمهيداً لنقل الغاز ومعالجته وإدخاله إلى الشبكة المخصصة بصورة أساسية لتغذية محطات توليد الكهرباء.
وبذلك ينتقل الحدث من كونه عملية صيانة لحقل غازي إلى استعادة جزء متكامل من سلسلة إنتاج الغاز ونقله ومعالجته، وهو ما يمنحه أثراً اقتصادياً يتجاوز قطاع النفط والغاز نفسه ليصل إلى الكهرباء والتشغيل الصناعي والخدمي.
ماذا أعيد تشغيله في حقل كونيكو؟
أعلنت الشركة السورية للبترول في الأول من أيلول 2026 تشغيل بئرين من أصل خمسة آبار في الحقل، بإنتاج إجمالي يصل إلى نحو 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً.
وجاء التشغيل بعد سلسلة من أعمال إعادة التأهيل شملت تجهيز وحدة للإنتاج والمعالجة المبكرة، باستخدام معدات متاحة لدى الشركة، بما يسمح بفصل المياه والمكثفات الغازية وتجفيف الغاز قبل نقله لاستكمال عمليات المعالجة.
كما شملت الأعمال إعادة تأهيل خط نقل الغاز الممتد من معمل الطابية باتجاه تدمر، واستكمال جزء مفقود منه بطول يقارب 5 كيلومترات وقطر 18 إنشاً، إلى جانب إصلاح الصمامات المقطعية وتجهيز الخط لنقل الغاز.
وكانت الشركة قد أعلنت في 26 آب دخول معمل غاز الطابية مرحلة الاختبارات التشغيلية وإيقاد الشعلة، قبل أن ينتقل المشروع بعد أيام إلى مرحلة الإنتاج والضخ الفعلي.
أين سيذهب الغاز المنتج؟
وفق الشركة السورية للبترول، سيستخدم الغاز المنتج لدعم منظومة توليد الكهرباء، عبر ضخه ضمن شبكة الغاز باتجاه منشآت المعالجة ثم إلى المنظومة التي تغذي محطات التوليد في المنطقة الجنوبية.
وهذه النقطة تحديداً تمنح عودة الحقل إلى الإنتاج أهميتها الاقتصادية.
فالغاز الطبيعي يمثل مدخلاً أساسياً لتشغيل عدد من محطات توليد الكهرباء السورية، وبالتالي فإن أي زيادة مستقرة في الإنتاج المحلي لا تنعكس فقط على قطاع الغاز، وإنما يمكن أن ترفع الكميات المتاحة لمحطات التوليد وتخفف جانباً من نقص الوقود اللازم لتشغيلها.
ومع ذلك، لم تعلن الجهات المعنية حتى الآن رقماً محدداً لعدد الميغاواط التي يمكن إضافتها نتيجة تشغيل البئرين، أو مقدار التحسن المتوقع في ساعات التغذية الكهربائية، ولذلك لا يمكن ربط كمية الغاز الجديدة بزيادة محددة في الكهرباء قبل صدور بيانات تشغيلية إضافية.
لماذا تعد كمية 1.5 مليون متر مكعب يومياً مهمة؟
القيمة الاقتصادية للكمية الجديدة تظهر بصورة أوضح عند وضعها ضمن احتياجات سوريا من الغاز.
ففي كانون الثاني 2026 وقعت الشركة السورية للبترول اتفاقية لشراء نحو 4 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً عبر الأراضي الأردنية بهدف دعم توليد الكهرباء.
وللمقارنة من حيث الحجم فقط، تعادل الكمية التي يعاد إنتاجها من كونيكو، والبالغة 1.5 مليون متر مكعب يومياً، نحو 37.5% من الكمية اليومية المنصوص عليها في تلك الاتفاقية.
ولا يعني ذلك أن إنتاج كونيكو سيحل محل هذه الواردات أو يؤدي تلقائياً إلى خفضها بالمقدار نفسه، إذ تتوقف هذه المعادلة على إجمالي الطلب والإنتاج المحلي وحالة محطات الكهرباء والعقود القائمة، لكنها مقارنة توضح الحجم النسبي للإنتاج الذي عاد إلى الشبكة.
الأهم هنا أن الغاز المنتج من كونيكو يمثل مورداً محلياً يمكن التحكم بإنتاجه وتطويره تدريجياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على الإمدادات الخارجية لتغطية الفجوة.
من الغاز المحلي إلى الكهرباء: سلسلة أثر اقتصادي أوسع
يمكن قراءة الأثر المحتمل للخطوة عبر سلسلة مترابطة:
إنتاج غاز محلي إضافي → زيادة الوقود المتاح لمحطات الكهرباء → دعم قدرة التوليد → تحسين موثوقية الإمدادات → دعم تشغيل المصانع والمنشآت والخدمات.
وفي الاقتصاد السوري، ترتبط مشكلة الكهرباء مباشرة بتكلفة ممارسة الأعمال.
فالمصانع والمنشآت التجارية والخدمية التي لا تحصل على إمدادات مستقرة تضطر إلى الاعتماد على مولدات أو مصادر طاقة بديلة أكثر تكلفة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج والتشغيل ويؤثر في قدرة المنتج السوري على المنافسة.
لذلك فإن زيادة الغاز المحلي لا ينبغي تقييمها فقط من زاوية حجم الإنتاج، بل من زاوية ما يمكن أن تضيفه إلى استقرار منظومة الكهرباء إذا استمرت عمليات إعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية للنقل والمعالجة.
أهمية إضافية: إعادة تشغيل البنية وليس الآبار فقط
إحدى النقاط المهمة في مشروع كونيكو أن العمل لم يقتصر على إعادة فتح آبار متوقفة.
إعادة تأهيل وحدة معالجة الغاز وخط النقل تعني استعادة أصول كانت خارج الخدمة، وإعادة دمجها في منظومة الإنتاج الوطنية.
وهذا أكثر أهمية على المدى المتوسط من إعادة تشغيل بئر منفرد، لأن وجود منظومة معالجة ونقل عاملة يهيئ البنية اللازمة لإدخال الآبار الثلاثة المتبقية أو مصادر إنتاج أخرى إلى الشبكة عندما تصبح جاهزة.
وأعلنت الشركة أن العمل سيستمر على استكمال إصلاح بقية آبار الحقل وتطوير منظومة الإنتاج والمعالجة خلال المرحلة المقبلة.
وبالتالي فإن الـ1.5 مليون متر مكعب يومياً يجب النظر إليها بوصفها مرحلة من عملية أوسع لاستعادة قدرات إنتاج الغاز في المنطقة الشرقية، وليس بالضرورة السقف النهائي لما يمكن أن توفره المنشأة مستقبلاً.
الشركات المحلية تدخل عمليات إعادة التأهيل
أعلنت الشركة السورية للبترول أيضاً الاستعانة بشركات محلية للمساهمة في تسريع عمليات إعادة التأهيل والتشغيل، إلى جانب الاعتماد على كوادرها الهندسية والفنية وعلى المعدات والمواد المتوفرة في منشآت الشركة.
هذه الجزئية تحمل دلالة مهمة لقطاع الأعمال.
فإعادة تأهيل حقول النفط والغاز لا تقتصر فرصها على الشركات الدولية الكبرى أو مشغلي الحقول، بل ترتبط حولها سلسلة واسعة من الأعمال تشمل المقاولات، الصيانة، التجهيزات الميكانيكية والكهربائية، خطوط الأنابيب، أنظمة التحكم، الخدمات الهندسية، السلامة، النقل، والخدمات اللوجستية.
ولا يعني ذلك وجود مناقصات أو فرص تعاقد مفتوحة حالياً في كونيكو ما لم تعلن الجهات المعنية عنها بصورة رسمية، لكنه يشير إلى أن توسيع برامج إعادة التأهيل في قطاع النفط والغاز يمكن أن يخلق طلباً متزايداً على الشركات السورية المؤهلة للعمل كمقاولين ومورّدين ومقدمي خدمات متخصصة.
كونيكو ضمن مسار أوسع لرفع إنتاج الغاز السوري
إعادة تشغيل الحقل لا تأتي بصورة منفصلة عن تحركات أخرى يشهدها قطاع الغاز.
ففي تموز 2026 بدأت الشركة السورية للبترول تنفيذ عقد تطوير عدد من حقول الغاز في المنطقة الوسطى مع شركة “أديس” السعودية، مع استهداف رفع إنتاج هذه الحقول تدريجياً وصولاً إلى نحو 4 ملايين متر مكعب يومياً في منتصف العام المقبل وفق الخطة المعلنة.
كما سبق أن أعلنت الشركة خططاً أوسع لتطوير الحقول القائمة واستكشاف موارد جديدة بالتعاون مع شركات دولية، بالتوازي مع الاستمرار في استيراد الغاز لتغطية الاحتياجات الحالية لمحطات التوليد.
ويظهر من هذه التحركات أن الاستراتيجية الحالية تتحرك في مسارين متوازيين:
الأول هو تأمين احتياجات عاجلة من الغاز عبر الإمدادات الخارجية.
والثاني هو زيادة الإنتاج المحلي عبر إعادة الحقول المتوقفة إلى الخدمة وتطوير الحقول المنتجة واستقطاب استثمارات وتقنيات جديدة.
والنجاح في المسار الثاني هو الذي يمكن أن يقلل تدريجياً من حجم الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب.
ماذا يعني ذلك للصناعة وقطاع الأعمال؟
بالنسبة لقطاع الأعمال، لا يمكن قياس قيمة إعادة تشغيل كونيكو بعدد الآبار فقط.
المؤشر الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الزيادة في الغاز ستتحول إلى إمدادات كهربائية أكثر استقراراً يمكن للشركات والمصانع الاعتماد عليها.
فالكهرباء واحدة من أهم عناصر تكلفة التشغيل في القطاعات الصناعية، إضافة إلى تأثيرها في الخدمات، والاتصالات، والتجارة، والتبريد والتخزين، والزراعة والصناعات الغذائية.
وإذا استمرت زيادة إنتاج الغاز بالتوازي مع إعادة تأهيل شبكات ومحطات توليد الكهرباء، فقد يؤدي ذلك تدريجياً إلى تخفيض الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة مرتفعة التكلفة وتحسين ظروف تشغيل الشركات.
لكن هذا الأثر يحتاج إلى وقت واستثمارات متكاملة في كامل سلسلة الطاقة، من الحقل إلى خطوط النقل والمعالجة وصولاً إلى محطة التوليد وشبكة الكهرباء.
ما الذي يجب متابعته بعد تشغيل البئرين؟
هناك خمسة مؤشرات رئيسية ستحدد الأثر الحقيقي للخطوة خلال المرحلة المقبلة:
أولاً: استقرار إنتاج البئرين عند المستوى المعلن وعدم اقتصاره على مرحلة تشغيل أولية.
ثانياً: استكمال إعادة تأهيل الآبار الثلاثة المتبقية في الحقل.
ثالثاً: استمرار جاهزية خط النقل ووحدات المعالجة وقدرتها على التعامل مع الكميات المنتجة.
رابعاً: إعلان بيانات عن كمية الغاز التي تصل فعلياً إلى محطات الكهرباء وما يقابلها من قدرة توليد إضافية.
خامساً: استمرار إعادة تأهيل حقول الغاز الأخرى وارتفاع إجمالي الإنتاج المحلي، لأن أثر أي حقل منفرد يبقى محدوداً مقارنة بحجم احتياجات منظومة الطاقة الوطنية.
الخلاصة
عودة بئرين في حقل الطابية “كونيكو سابقاً” إلى الإنتاج بطاقة تصل إلى 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً تمثل تطوراً مختلفاً عن كثير من الإعلانات الاستثمارية في قطاع الطاقة، لأن الحديث هنا يتعلق بإنتاج بدأ فعلياً والدخول التدريجي لمنشأة وخط نقل إلى الخدمة.
لكن أهمية الخطوة لا تكمن في توقع حل أزمة الكهرباء عبر بئرين، بل في أنها تعيد مورداً محلياً مهماً إلى شبكة الغاز وتؤسس لإعادة تشغيل بقية مكونات الحقل.
وإذا نجحت الشركة السورية للبترول في استكمال الآبار المتبقية، بالتوازي مع تطوير حقول المنطقة الوسطى ورفع الإنتاج من الحقول الأخرى، فإن النتيجة الأوسع يمكن أن تكون زيادة تدريجية في حصة الغاز المحلي المخصص لتوليد الكهرباء.
وهنا يصبح أثر كونيكو أكبر من رقم 1.5 مليون متر مكعب يومياً: خطوة ضمن مسار استعادة الموارد المحلية وربطها مجدداً بالكهرباء والصناعة والنشاط الاقتصادي السوري.