من الصهاريج إلى خطوط الأنابيب: كيف بدأت سوريا تستعيد موقعها ممراً إقليمياً للطاقة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
خلال أشهر قليلة، تحولت حركة صهاريج الوقود العراقي المتجهة إلى الساحل السوري من إجراء لوجستي فرضته اضطرابات طرق التصدير في الخليج إلى مؤشر على تغير أوسع في خريطة الطاقة الإقليمية، مع بروز ميناء بانياس بوصفه منفذاً لإعادة تصدير زيت الوقود العراقي نحو الأسواق العالمية، بالتوازي مع تحركات لإعادة تأهيل خط كركوك–بانياس وتطوير مسارات أنابيب جديدة نحو البحر المتوسط.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة «بلومبرغ» عن شركة فورتيكسا لتحليلات أسواق الطاقة، صدّرت سوريا خلال حزيران 2026 نحو 720 ألف طن من زيت الوقود، بما يعادل قرابة 28% من إجمالي الكميات المصدرة من هذه المادة في الشرق الأوسط خلال الشهر، لتصبح أكبر مصدر إقليمي لها وفق البيانات المشار إليها. وجاءت معظم هذه الكميات من العراق، ونُقلت براً بواسطة آلاف الصهاريج قبل إعادة تحميلها من الساحل السوري.
هذه الأرقام لا تعني أن سوريا أصبحت دولة منتجة لهذه الكميات أو أنها حققت فجأة طفرة في إنتاج المشتقات النفطية، بل تعكس نشوء وظيفة اقتصادية مختلفة: استقبال الوقود العراقي، وتخزينه ومناولته وإعادة تصديره عبر المتوسط. ومع ذلك، فإن حجم التدفقات يقدّم أول دليل كمي واضح على إمكانية استعادة سوريا دورها التاريخي ممراً للطاقة بين العراق والأسواق المتوسطية.
ملخص تنفيذي
تتحرك العلاقة السورية–العراقية في قطاع الطاقة ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:
الأول قائم بالفعل، ويتمثل في نقل زيت الوقود العراقي بالصهاريج إلى ميناء بانياس وإعادة تصديره.
الثاني قريب المدى، ويرتبط بتوسيع منشآت الاستقبال والتخزين والمناولة، وإضافة الخام والنفتا إلى المنتجات المنقولة عبر الأراضي السورية.
أما المستوى الثالث فهو استراتيجي طويل المدى، ويتمثل في إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس وتطوير شبكة أنابيب أوسع تربط الإنتاج العراقي بالبحر المتوسط.
الفرصة الاقتصادية بالنسبة لسوريا حقيقية، لكنها لن تتحول تلقائياً إلى مكاسب مستدامة. ويتوقف ذلك على قدرة البلاد على الانتقال من مجرد تحصيل رسوم عبور ومناولة إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التخزين، والخدمات المرفئية، والصيانة، والنقل، والتكرير، والتصنيع المرتبط بالطاقة.
ماذا يحدث على الأرض؟
بدأ العراق في نيسان 2026 نقل كميات كبيرة من زيت الوقود عبر الأراضي السورية، بعد اضطراب طرق التصدير التقليدية عبر الخليج وازدياد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز. وتتحرك الصهاريج من العراق إلى الساحل السوري خلال رحلة تستغرق ما بين أربعة وستة أيام، وتحمل الشاحنة الواحدة نحو 20 طناً من زيت الوقود.
وقدّرت مصادر تجارية أن كميات زيت الوقود المنقولة إلى سوريا خلال حزيران تجاوزت 600 ألف طن. وباحتساب حمولة وسطية تبلغ 20 طناً للصهريج، فإن هذا الحجم يعادل أكثر من 30 ألف حمولة شاحنة خلال شهر واحد، أو ما يقارب ألف حمولة يومياً في المتوسط.
ويتقاطع هذا التقدير مع تصريحات سابقة للشركة السورية للبترول أشارت إلى أن منشآت بانياس أصبحت قادرة على تفريغ نحو 900 صهريج يومياً، بعد العمل على توسيع قدرات الاستقبال والمناولة. كما تحدثت مصادر سورية وعراقية عن تجهيز منطقتين إضافيتين للتفريغ ومرافق جديدة لاستقبال الخام والنفتا، إلى جانب توجه شركة تسويق النفط العراقية «سومو» لافتتاح مكاتب في بانياس.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ما يجري لم يعد حركة محدودة أو استثنائية، بل عملية لوجستية واسعة تتطلب تنسيقاً يومياً بين المعابر والطرق وشركات النقل ومنشآت التخزين والمرفأ وناقلات التصدير البحري.
لماذا يحتاج العراق إلى المسار السوري؟
يعتمد العراق بدرجة كبيرة على موانئه الجنوبية ومضيق هرمز لتصدير النفط الخام والمشتقات. وقبل اضطرابات الملاحة، كان يصدر نحو 3.4 ملايين برميل يومياً عبر مرافئ البصرة من إجمالي صادرات تقارب 3.6 ملايين برميل يومياً.
هذا الاعتماد على مسار رئيسي واحد يجعل الاقتصاد العراقي، الذي تمثل العائدات النفطية ركيزته الأساسية، معرضاً للمخاطر عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن أو امتلاء خزانات المصافي بالمشتقات التي يتعذر تصديرها.
وبالنسبة لزيت الوقود، لا يمثل توقف التصدير مشكلة تجارية فقط؛ إذ يمكن أن يؤدي امتلاء مرافق التخزين إلى خفض تشغيل المصافي أو إيقاف بعضها، بما يؤثر بدوره في إنتاج البنزين والديزل والمشتقات الأخرى. لذلك أصبح إيجاد منافذ بديلة جزءاً من حماية استمرارية عمليات التكرير والإنتاج داخل العراق، وليس مجرد محاولة للاستفادة من فروق الأسعار.
وقد زادت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز من أهمية هذا التوجه. ففي 20 تموز، ارتفع خام برنت مؤقتاً إلى 91.42 دولاراً للبرميل قبل أن يتراجع إلى نحو 87.94 دولاراً، بينما بقيت حركة السفن عبر المضيق منخفضة، إذ عبرته أربع سفن فقط يوم الأحد، مقارنة بثمانٍ في اليوم السابق.
وبذلك أصبح المسار السوري جزءاً من سياسة عراقية أوسع لتنويع منافذ التصدير، وليس مجرد بديل مؤقت مرتبط بأزمة واحدة.
ماذا تكسب سوريا من التدفقات الحالية؟
تحصل سوريا في المرحلة الحالية على رسوم مرتبطة بالعبور والمناولة والخدمات اللوجستية، إلا أن قيمة هذه الإيرادات وآلية تحصيلها لم تُعلنا رسمياً. وأشارت رويترز إلى أن الرسوم تُدفع عبر المشترين والوسطاء، وليس مباشرة من شركة «سومو»، من دون توفر أرقام دقيقة عن إجمالي ما تحصل عليه الجهات السورية.
وإلى جانب الرسوم المباشرة، يمكن أن تولد التدفقات نشاطاً في عدد من القطاعات المساندة، منها:
- تشغيل منشآت التخزين والضخ والتحميل.
- خدمات الموانئ والوكالات البحرية.
- النقل البري وصيانة الصهاريج.
- صيانة الطرق والمنشآت النفطية.
- التأمين والخدمات الفنية والسلامة.
- التموين والخدمات التجارية المرتبطة بحركة السائقين والناقلات.
- تشغيل العمالة في المعابر والمرافئ والمنشآت اللوجستية.
لكن القيمة الاقتصادية الحالية تبقى محدودة مقارنة بما يمكن تحقيقه مستقبلاً؛ إذ أوضحت مصادر في منشآت بانياس أن زيت الوقود العراقي لا يدخل إلى المصفاة لمعالجته، بل يُفرغ في منصة بحرية مرتبطة بخزانات تخزين شمال المصفاة، ثم يضخ إلى ناقلات التصدير. وهذا يعني أن سوريا تحصل حالياً على قيمة العبور والتخزين والمناولة، لكنها لا تستفيد من هوامش التكرير أو التصنيع أو تحويل المنتجات.
الفرق بين الممر المؤقت والمركز الإقليمي للطاقة
لكي تتحول سوريا فعلاً إلى مركز إقليمي للطاقة، لا يكفي أن تعبر الصهاريج أراضيها أو أن تستخدم الموانئ السورية لإعادة تحميل الوقود.
الممر المؤقت يحقق رسوماً محدودة تتأثر بالأزمات السياسية وحاجة الدول المجاورة الطارئة إلى طرق بديلة. أما مركز الطاقة المستدام فيحتاج إلى بنية أعمق تشمل:
- خطوط أنابيب ذات طاقات تشغيلية كبيرة.
- خزانات استراتيجية ومنشآت للخلط والتخزين.
- مرافئ قادرة على استقبال ناقلات بأحجام مختلفة.
- خدمات قياس وفحص واعتماد للمشتقات.
- قدرات تكرير ومعالجة وتصنيع.
- منظومة نقل وصيانة وتأمين متخصصة.
- عقود طويلة الأجل تضمن استقرار التدفقات والإيرادات.
ومن دون هذه المكونات، قد يبقى الدور السوري مرتبطاً بحالة الطوارئ في مضيق هرمز، ويتراجع عند استقرار الملاحة الخليجية أو ظهور مسارات منافسة أقل كلفة.
من الصهاريج إلى خط كركوك–بانياس
يتزامن توسع حركة زيت الوقود مع انتقال ملف خطوط الأنابيب إلى مرحلة أكثر جدية. ففي 18 تموز، وقعت الشركة السورية للبترول مذكرتي تفاهم؛ الأولى مع شركة نفط البصرة العراقية لإعادة تأهيل وتشغيل خط كركوك–بانياس، والثانية مع ائتلاف دولي يضم «شيفرون» و«UCC Holding» و«TI Capital» لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الإطار التنفيذي للمشروع والمنشآت المرتبطة به.
وتمثل هذه الخطوة تقدماً سياسياً ومؤسسياً، لكنها لا تعني أن عقد التنفيذ النهائي قد أُبرم أو أن أعمال البناء ستبدأ مباشرة. فالمشروع ما يزال بحاجة إلى دراسات جدوى ومسح فني وتحديد المسار والتكاليف ونموذج التمويل والملكية والتشغيل وتقاسم الرسوم والمخاطر بين الأطراف.
كما أعلنت الولايات المتحدة دعمها لجهود العراق وسوريا لإحياء مسار الأنابيب، مع توقع مشاركة شركات أمريكية في تطويره. ويعود الخط التاريخي إلى حقبة سابقة، وتوقفت أجزاء كبيرة منه بعد تعرضه للأضرار وخروجه من الخدمة منذ أكثر من عقدين.
وتشير المعلومات المتداولة حول المشروع الجديد إلى استهداف قدرة تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً. إلا أن هذا الرقم يختلف بوضوح عن تقديرات سابقة لقدرة الخط العراقي–السوري القائمة أو التاريخية، التي تحدثت عن نحو 300 ألف برميل يومياً. ويرجح هذا الفارق أن التصور المطروح لا يقتصر على إصلاح الخط القديم، بل يشمل تحديثاً جذرياً أو إنشاء شبكة جديدة تربط حقول جنوب العراق وحديثة وكركوك بالساحل السوري. وستبقى الدراسات الفنية والمالية هي المرجع الحاسم لتحديد الطاقة الواقعية ومسار المشروع وتكلفته.
لماذا لا تمثل الصهاريج حلاً طويل الأجل؟
على الرغم من أن النقل البري أتاح تشغيل المسار بسرعة ومن دون انتظار مشروعات بنية تحتية طويلة، فإنه يواجه قيوداً واضحة.
فالكمية التي تحملها الشاحنة الواحدة محدودة مقارنة بطاقة خط الأنابيب أو الناقلة البحرية. كما يؤدي تشغيل عشرات آلاف الرحلات شهرياً إلى ضغط كبير على الطرق، وارتفاع استهلاك الوقود، وزيادة تكاليف الصيانة والنقل والتأمين.
وقد رُصدت طوابير صهاريج امتدت لأكثر من 30 كيلومتراً على الطريق المؤدي إلى بانياس. كما شهدت الطرق حوادث تسببت بتسرب كميات من الوقود، إلى جانب احتجاجات وعمليات تعطيل مؤقتة لحركة الشاحنات في بعض المناطق.
وتضاف إلى ذلك مخاطر التلوث والتسرب والحرائق، والحاجة إلى نقاط استراحة وفحص فني، وتأمين الطرق، وتنظيم حركة الصهاريج بما لا يؤثر في النقل المدني وحركة البضائع الأخرى.
لذلك يمكن التعامل مع النقل بالصهاريج بوصفه مرحلة اختبار عملي للسوق والمسار، لكنه لا يستطيع وحده بناء ممر طاقة قادر على التعامل مع ملايين البراميل يومياً.
ثلاثة سيناريوهات أمام سوريا
السيناريو الأول: استمرار المسار الإسعافي
في هذا السيناريو، تستمر حركة زيت الوقود بالصهاريج طالما بقيت المخاطر في الخليج مرتفعة، ثم تتراجع تدريجياً عند عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي.
وتحصل سوريا هنا على إيرادات محدودة وقصيرة المدى، من دون أن يتحول النشاط إلى قطاع مستدام أو بنية إنتاجية.
السيناريو الثاني: تثبيت مسار تجاري متعدد الوسائط
يستمر العراق في استخدام الأراضي والموانئ السورية حتى بعد استقرار مضيق هرمز، ضمن سياسة تنويع منافذ التصدير.
وقد يشمل ذلك تحسين الطرق، وتوسيع التخزين والمناولة، وزيادة تصدير زيت الوقود والنفتا وكميات محدودة من الخام، مع توقيع عقود تشغيل أطول أجلاً.
هذا السيناريو يمنح سوريا دخلاً أكثر استقراراً، لكنه يبقي حجم الاستفادة مرتبطاً بالخدمات اللوجستية ورسوم العبور.
السيناريو الثالث: إنشاء ممر أنابيب متكامل
يتم تنفيذ مشروع كركوك–بانياس أو شبكة أوسع تربط جنوب العراق وغربه وشماله بالساحل السوري، مع تطوير الموانئ والخزانات ومحطات الضخ والمنشآت المساندة.
هذا السيناريو هو الأعلى قيمة لسوريا، لأنه قد يحولها إلى جزء أساسي من أمن الطاقة الإقليمي، ويفتح المجال أمام استثمارات بمليارات الدولارات وخدمات دائمة وفرص تشغيل ونشاط صناعي ولوجستي أوسع.
لكنه أيضاً الأكثر تعقيداً، ويتطلب تمويلاً كبيراً، وضمانات أمنية، واتفاقات طويلة الأجل، وبيئة قانونية واضحة، وقدرة على حماية الخط وتشغيله وصيانته وفق معايير دولية.
ما الذي يجب أن تفاوض عليه سوريا؟
نجاح المشروع لا يقاس فقط بعدد البراميل التي تعبر الأراضي السورية، بل بحجم القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد السوري.
ومن المهم أن تتضمن المفاوضات المستقبلية عناصر تتجاوز رسوم المرور، ومنها:
1. نموذج واضح للإيرادات
يجب تحديد رسوم العبور والتخزين والضخ والتحميل والمناولة بطريقة شفافة، مع ربط جزء من الإيرادات بحجم التدفقات والأسعار وتكاليف التشغيل.
2. الاستثمار في الموانئ والمنشآت السورية
ينبغي ألا تقتصر الاستثمارات على الأنبوب، بل تشمل تطوير مرفأ بانياس والخزانات والمنصات البحرية ومحطات الضخ والقياس والسلامة.
3. نقل الخبرة وتشغيل الشركات السورية
تستطيع سوريا اشتراط مشاركة الشركات والكوادر المحلية في الإنشاء والصيانة والتشغيل والخدمات الهندسية، بما يبني قدرات وطنية لا تنتهي بانتهاء المشروع.
4. التقاط قيمة مضافة أكبر
يمكن مستقبلاً تطوير خدمات خلط المشتقات ومعالجتها وتكرير جزء منها، أو بناء صناعات بتروكيميائية مرتبطة بالممر، بدلاً من الاكتفاء باستقبال الوقود وإعادة تصديره.
5. المسؤولية البيئية والتأمين
يجب تحديد المسؤولية عن أي تسرب أو حادث أو تلوث، وإنشاء آليات استجابة وتمويل للتعويض والمعالجة، سواء في النقل البري أو الأنابيب أو المنشآت البحرية.
6. ضمان استمرار التدفقات
تحتاج الاستثمارات الكبيرة إلى عقود تضمن حداً أدنى من الكميات لفترات طويلة، كي لا تتحول المنشآت إلى أصول غير مستخدمة عند تغير الظروف السياسية أو التجارية.
ماذا يعني ذلك لقطاع الأعمال السوري؟
قد يفتح تطور الممر فرصاً أمام طيف واسع من الشركات السورية، وليس فقط الشركات النفطية الكبرى.
ومن القطاعات التي يمكن أن تستفيد:
- المقاولات والبنية التحتية.
- الإنشاءات المعدنية والخزانات.
- شركات النقل والخدمات اللوجستية.
- صيانة الآليات والمضخات والصمامات.
- خدمات القياس والفحص والجودة.
- السلامة المهنية ومكافحة الحرائق.
- الاستشارات الهندسية والبيئية.
- الاتصالات وأنظمة المراقبة والتحكم.
- التأمين والخدمات المالية.
- توريد المعدات وقطع الغيار.
- التدريب الفني وتشغيل المنشآت.
لكن هذه الفرص ستبقى محدودة ما لم تتحول مذكرات التفاهم إلى عقود ومناقصات وبرامج تنفيذ معلنة، تتضمن متطلبات واضحة لمشاركة الموردين والمقاولين السوريين.
اختبار حقيقي للسياسة الاقتصادية السورية
تعطي الجغرافيا سوريا ميزة لا تستطيع الدول المنافسة استنساخها بسهولة، فهي تشكل أقصر المنافذ المحتملة التي تربط أجزاء واسعة من العراق بالبحر المتوسط.
لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي. فالقيمة الاقتصادية للموقع تعتمد على البنية التحتية، والاستقرار، وجودة الإدارة، ووضوح العقود، وسرعة المناولة، وقدرة الموانئ، وتنافسية الرسوم، وحماية الاستثمارات.
والاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة سوريا على تحويل تدفقات فرضتها أزمة إقليمية إلى شراكة طويلة الأجل، ثم تحويل هذه الشراكة من عبور للوقود إلى منظومة طاقة ولوجستيات وصناعة وخدمات.
الخلاصة
تكشف صادرات حزيران البالغة نحو 720 ألف طن من زيت الوقود أن استعادة سوريا دورها في تجارة الطاقة لم تعد مجرد تصور نظري أو مشروع مؤجل. فالمسار يعمل بالفعل، والصهاريج تصل إلى بانياس، والوقود يعاد تصديره إلى الأسواق الخارجية.
لكن ما يعمل اليوم هو ممر بري مكلف ومزدحم، وليس بعد مركز طاقة متكاملاً.
أما التحول الأكبر فيتوقف على نتائج مذكرتي التفاهم، والدراسات الفنية والمالية، والقدرة على الانتقال من آلاف الصهاريج إلى خطوط أنابيب ذات طاقات كبيرة، ومن رسوم العبور المحدودة إلى استثمارات وخدمات وصناعات تولد قيمة مستدامة داخل الاقتصاد السوري.
بهذا المعنى، قد تكون حركة الصهاريج الحالية بداية استعادة سوريا موقعها في خريطة الطاقة الإقليمية، لكنها ليست نهاية الطريق. فالفرصة الحقيقية تبدأ عندما يصبح بانياس جزءاً من شبكة مستقرة تربط الإنتاج العراقي بالمتوسط، ويصبح الاقتصاد السوري شريكاً في القيمة، لا مجرد مساحة للعبور.