حزمة المراسيم الجمركية في سوريا: من قانون الجمارك الجديد إلى إعادة تنظيم التجارة والامتثال

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
لم تكن المراسيم الجمركية التي صدرت في سوريا خلال أيار/مايو 2026 مجرد تحديث قانوني منفصل، بل جاءت كحزمة تنظيمية متكاملة تمس واحدة من أكثر حلقات الاقتصاد حساسية: حركة البضائع عبر الحدود، تكاليف الاستيراد والتصدير، إجراءات التخليص، المخالفات، التهريب، والتعامل بين الدولة والقطاع التجاري.
تتكوّن الحزمة عملياً من ثلاثة مسارات مترابطة: قانون جديد للجمارك، جدول تعريفة جمركية متناسقة، وآلية لتسوية بعض المخالفات الجمركية القديمة. أهمية هذه الحزمة لا تنبع فقط من النصوص القانونية نفسها، بل من الرسالة التنظيمية التي تحملها: الانتقال من إدارة جمركية مثقلة بالتراكمات القديمة إلى محاولة بناء إطار أوضح للتجارة والامتثال والإيرادات.
ما الذي صدر فعلياً؟
تضمنت الحزمة ثلاثة مراسيم رئيسية:
الأول هو المرسوم رقم 109 لعام 2026، وهو قلب الحزمة، لأنه يتضمن قانوناً جديداً للجمارك يحل محل القانونين رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما. هذا يعني أن سوريا لا تتعامل مع تعديل جزئي، بل مع إعادة صياغة واسعة للإطار الجمركي الذي يحكم دخول وخروج البضائع، عمل الجمارك، المخالفات، العقوبات، والإجراءات المرتبطة بالتجارة الخارجية.
الثاني هو المرسوم رقم 110 لعام 2026، المتعلق باعتماد جدول التعريفة الجمركية المتناسقة، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من 1 حزيران/يونيو 2026. هذا المرسوم يربط الجانب القانوني العام بالجانب التطبيقي اليومي، لأن التعريفة هي الأداة التي تحدد عملياً كيفية تصنيف السلع واحتساب الرسوم عليها.
الثالث هو المرسوم رقم 117 لعام 2026، المتعلق بإعفاء وتسوية بعض المخالفات الجمركية السابقة وفق شروط محددة، لا سيما المخالفات المرتكبة قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع استثناءات تتعلق بقضايا المخدرات، والأحكام القطعية، والمخالفات التي سبق تسويتها.
بهذا المعنى، نحن أمام حزمة ذات ثلاث وظائف: إعادة بناء القاعدة القانونية، تنظيم التصنيف والرسوم، ومعالجة جزء من الإرث السابق للمخالفات.
قلب الحزمة: قانون الجمارك الجديد
القلب الحقيقي لهذه الحزمة هو المرسوم رقم 109، لأنه يؤسس للإطار الذي ستتحرك داخله بقية الأدوات. فالتعريفة الجمركية لا تعمل في فراغ، وتسوية المخالفات لا تكون مؤثرة وحدها إذا لم يتغير النظام الذي ستعود إليه البضائع والشركات بعد التسوية.
قانون الجمارك الجديد يحمل دلالة أساسية: أن الدولة تريد إعادة ضبط العلاقة بين الجمارك والتجارة. هذه العلاقة كانت خلال سنوات طويلة واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك بين القطاع الخاص والإدارة العامة، بسبب تعدد الإجراءات، ضعف اليقين، كلفة المخالفة، أثر التأخير، وتداخل الجمارك مع قضايا الاستيراد والتهريب والأسعار.
لذلك، لا يجب قراءة القانون فقط من زاوية “ما العقوبة؟” أو “كم الرسم؟”، بل من زاوية أوسع: هل يصبح المسار الجمركي أكثر قابلية للتوقع؟ هل تتضح صلاحيات الإدارة؟ هل تتحسن إجراءات التخليص؟ هل يصبح الامتثال أقل كلفة من المخالفة؟ وهل تنخفض مساحة التقدير غير المنضبط في التعامل مع البضائع والتجار؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد القيمة العملية للقانون.
لماذا تأتي التعريفة المتناسقة كجزء أساسي من الحزمة؟
المرسوم رقم 110 لا يقل أهمية من الناحية التشغيلية. فقانون الجمارك يضع القواعد، أما التعريفة الجمركية فهي التي تدخل مباشرة في حسابات الشركات والمستوردين والمصدرين.
اعتماد جدول تعريفة جمركية متناسقة يعني أن سوريا تتجه إلى تنظيم تصنيف السلع وفق منطق أكثر قرباً من الأنظمة الدولية المستخدمة في التجارة. وهذا مهم لثلاث فئات رئيسية:
أولاً، المستوردون الذين يحتاجون إلى معرفة الكود الجمركي الصحيح للسلعة، وما يترتب عليه من رسم وكلفة.
ثانياً، شركات التخليص والنقل واللوجستيات التي تعتمد على التصنيف الصحيح لتقليل التأخير والمنازعات.
ثالثاً، الجهات الحكومية التي تحتاج إلى بيانات تجارية أكثر انتظاماً عن السلع الداخلة والخارجة، ليس فقط لأغراض الإيراد، بل أيضاً لفهم بنية الاستيراد والتصدير.
من الناحية العملية، أي خطأ في تصنيف السلعة قد يؤدي إلى اختلاف في الرسم، تأخير في التخليص، نزاع مع الجمارك، أو غرامة. لذلك، فإن تحديث التعريفة لا يهم المحاسبين والمخلصين الجمركيين فقط، بل يهم كل شركة تستورد مواد أولية، آلات، تجهيزات، قطع تبديل، مواد غذائية، منتجات وسيطة، أو سلعاً جاهزة.
مرسوم تسوية المخالفات: تنظيف جزء من الماضي قبل بدء مرحلة جديدة
المرسوم رقم 117 يبدو للوهلة الأولى منفصلاً عن قانون الجمارك الجديد، لكنه من حيث التوقيت جزء من المنطق نفسه. فإصدار قانون جديد مع بقاء كتلة كبيرة من المخالفات القديمة والنزاعات غير المسواة قد يحد من أثر الإصلاح.
لذلك، يمكن فهم مرسوم الإعفاء والتسوية كأداة انتقالية. فهو لا يضع القواعد المستقبلية بقدر ما يحاول معالجة جزء من الماضي. عندما تمنح الدولة مهلة لتسوية بعض المخالفات القديمة عبر دفع الرسوم والضرائب المستحقة دون كامل الغرامات، فهي تحقق عدة أهداف محتملة:
- تحصيل جزء من الإيرادات العالقة.
- تخفيف الملفات المتراكمة.
- إعادة بعض التجار أو البضائع أو وسائل النقل إلى الوضع النظامي.
- تقليل النزاعات السابقة قبل دخول قانون جديد حيز التطبيق.
- إرسال إشارة بأن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صرامة بعد منح فرصة للتسوية.
لكن أثر هذا المرسوم سيعتمد على وضوح التعليمات التنفيذية، سرعة الإجراءات، وطريقة تعامل الجمارك مع أصحاب الملفات. فالتسوية الناجحة تحتاج إلى مسار واضح، لا إلى تعقيد إضافي.
ماذا تعني الحزمة للمستوردين؟
بالنسبة للمستوردين، تعني الحزمة أن المرحلة المقبلة قد تتطلب مراجعة كاملة لطريقة التعامل مع الجمارك. لم يعد كافياً الاعتماد على الخبرة العملية القديمة أو التسويات غير الرسمية أو التقدير التقريبي للكلفة.
ستحتاج الشركات المستوردة إلى مراجعة أكواد السلع، مستندات الشحن، الفواتير، شهادات المنشأ، توصيف البضائع، وطريقة احتساب الكلفة النهائية. كما ستحتاج إلى فهم ما إذا كانت التعريفة الجديدة تؤثر على بنود محددة من وارداتها.
الأثر الأهم ليس فقط في ارتفاع أو انخفاض رسم معين، بل في زيادة أهمية الامتثال المسبق. فالشركة التي تعرف تصنيف سلعها بدقة وتجهز مستنداتها بشكل صحيح ستكون أقل عرضة للتأخير أو النزاع أو الغرامة.
ماذا تعني للمصدرين؟
رغم أن الجمارك ترتبط ذهنياً بالاستيراد، إلا أن أثرها على التصدير مهم أيضاً. فكلما أصبحت الإجراءات الحدودية أوضح وأسرع، تحسنت قدرة الشركات السورية على التصدير، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الوقت والكلفة والالتزام بالمواعيد.
التصدير يحتاج إلى بيئة جمركية لا تعطل الشحنات، ولا تخلق تكاليف غير متوقعة، ولا تجعل الشركة عاجزة عن الالتزام مع عميل خارجي. لذلك، فإن نجاح الحزمة في تبسيط الإجراءات سيظهر في قدرة الشركات على تخطيط عملياتها بشكل أفضل، خصوصاً مع أسواق الجوار والأسواق العربية.
أثر الحزمة على الأسعار والسوق
من المبكر الجزم بأن الحزمة ستؤدي مباشرة إلى انخفاض أو ارتفاع عام في الأسعار. الأثر السعري سيختلف حسب نوع السلعة، الرسم المطبق، كلفة التخليص، سرعة الإفراج، وتكاليف النقل والتمويل.
لكن يمكن القول إن هناك ثلاثة مسارات محتملة للأثر:
الأول، إذا أدت التعريفة الجديدة إلى وضوح أكبر وخفض في النزاعات والتأخير، فقد ينعكس ذلك إيجابياً على كلفة بعض السلع.
الثاني، إذا ارتفعت الرسوم على بعض البنود أو زادت كلفة الامتثال دون تبسيط فعلي، فقد تنتقل الكلفة إلى السعر النهائي.
الثالث، إذا نجحت الحزمة في تقليل التهريب وتحسين عدالة المنافسة، فقد تستفيد الشركات النظامية التي كانت تتضرر من دخول بضائع غير ملتزمة أو منخفضة الكلفة بصورة غير عادلة.
لذلك، لا يكفي النظر إلى الجداول الجمركية وحدها. يجب مراقبة التطبيق في المنافذ، سرعة التخليص، وضوح التعليمات، ومدى استقرار التفسير بين منفذ وآخر.
مكافحة التهريب: من العقوبة إلى إعادة ضبط الحوافز
أي قانون جمركي جديد لا يمكن فصله عن ملف التهريب. لكن السؤال العملي ليس فقط: هل العقوبات أشد؟ بل: هل أصبح الالتزام النظامي أكثر منطقية من المخالفة؟
إذا بقيت الإجراءات النظامية بطيئة أو مكلفة أو غير واضحة، فإن تشديد العقوبة وحده لا يكفي. أما إذا ترافق القانون مع تبسيط الإجراءات، وضوح الرسوم، تقليل الاحتكاك، وتوحيد المعاملة، فإن مكافحة التهريب تصبح أكثر فعالية.
بمعنى آخر، نجاح الحزمة لا يقاس فقط بعدد الضبوط، بل بمدى تحول التجار والشركات إلى القنوات النظامية لأن هذه القنوات أصبحت أوضح وأقل مخاطرة.
أثر الحزمة على بيئة الاستثمار
تؤثر الجمارك مباشرة على قرار الاستثمار، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية. المستثمر لا ينظر فقط إلى الضرائب أو الترخيص، بل يسأل أيضاً:
- كيف سأدخل الآلات؟
- ما كلفة استيراد المواد الأولية؟
- كم يستغرق التخليص؟
- هل يمكن توقع الرسوم؟
- هل توجد إعفاءات أو أنظمة إدخال مؤقت؟
- هل أستطيع إعادة التصدير؟
- هل تختلف المعاملة بين منفذ وآخر؟
- ما مخاطر النزاع الجمركي؟
من هذه الزاوية، تمثل الحزمة الجمركية جزءاً من بيئة الاستثمار، لا مجرد تشريع إداري. فإذا ساعدت على جعل حركة السلع أكثر وضوحاً، فقد تدعم قطاعات مثل الصناعة، الزراعة التصنيعية، الطاقة، النقل، البناء، والصناعات الغذائية. أما إذا بقي التطبيق معقداً، فسيظل القانون خطوة شكلية محدودة الأثر.
ما الذي يجب أن تتابعه الشركات الآن؟
الشركات السورية والمستوردون والمصدرون وشركات التخليص بحاجة إلى متابعة خمسة ملفات مباشرة:
أولاً، التعليمات التنفيذية لقانون الجمارك الجديد، لأنها ستحدد كيفية التطبيق العملي.
ثانياً، جدول التعريفة المتناسقة، ومقارنة أكواد السلع الحالية بالأكواد المعتمدة بعد 1 حزيران/يونيو 2026.
ثالثاً، أثر الرسوم على الكلفة النهائية للمنتجات، خصوصاً للسلع المستوردة بكميات كبيرة أو التي تدخل في الإنتاج المحلي.
رابعاً، شروط الاستفادة من مرسوم تسوية المخالفات، خصوصاً للشركات أو الأفراد الذين لديهم ملفات سابقة قابلة للتسوية.
خامساً، طريقة تعامل المنافذ الجمركية وشركات التخليص مع النظام الجديد خلال الأسابيع الأولى من التطبيق.
النتائج المتوقعة: ثلاثة سيناريوهات
يمكن قراءة النتائج اللاحقة ضمن ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: تطبيق منظم ووضوح أعلى
في هذا السيناريو، تصدر تعليمات تنفيذية واضحة، يتم تدريب الكوادر، تنسجم المنافذ في تفسير النصوص، وتصبح التعريفة قابلة للاستخدام العملي دون تضارب كبير. النتيجة المتوقعة هنا هي تحسن تدريجي في الامتثال، انخفاض بعض النزاعات، وزيادة قدرة الشركات على تقدير الكلفة مسبقاً.
السيناريو الثاني: قانون جيد وتطبيق متعثر
في هذا السيناريو، تكون النصوص متقدمة نسبياً، لكن التطبيق يتأخر بسبب ضعف التعليمات، تعدد التفسيرات، أو عدم جاهزية بعض المنافذ. النتيجة هنا ستكون حالة انتقالية مربكة، خصوصاً للمستوردين وشركات التخليص، مع احتمال زيادة الاستفسارات والنزاعات في البداية.
السيناريو الثالث: تشدد دون تبسيط
في هذا السيناريو، يبرز جانب العقوبات والضبط أكثر من جانب التسهيل والوضوح. النتيجة قد تكون زيادة في كلفة المخاطر، استمرار بعض السلوكيات غير النظامية، وبقاء الشركات النظامية أمام أعباء إجرائية مرتفعة.
السيناريو الأفضل لسوريا ليس التشدد وحده، بل الجمع بين الصرامة والوضوح والتسهيل.
الخلاصة
حزمة المراسيم الجمركية في سوريا تمثل واحدة من أهم الخطوات التنظيمية المرتبطة بالتجارة الخارجية خلال المرحلة الحالية. جوهرها لا يقتصر على إصدار قانون جديد، بل يتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والتجارة عبر ثلاثة مسارات: قانون جمركي جديد، تعريفة متناسقة، وتسوية لبعض المخالفات السابقة.
الأثر الحقيقي لهذه الحزمة سيظهر في التطبيق لا في النص فقط. فإذا تحولت إلى إجراءات أوضح، تعريفة قابلة للفهم، تسويات عملية، وتخليص أسرع وأكثر انتظاماً، فقد تسهم في تحسين بيئة الأعمال وتقليل جزء من الفوضى التجارية والجمركية. أما إذا بقيت التعليمات غامضة أو تعددت التفسيرات، فقد تتحول المرحلة الأولى إلى عبء انتقالي على الشركات.
بالنسبة لجمهور الأعمال، الرسالة العملية واضحة: يجب التعامل مع هذه الحزمة بوصفها بداية مرحلة جمركية جديدة في سوريا، لا خبراً قانونياً عابراً. الشركات التي تراجع ملفاتها، تصنيفات سلعها، مستنداتها، ومخاطرها الجمركية مبكراً ستكون أكثر قدرة على التكيف مع المرحلة المقبلة.
روابط مقترحة: