قانون الجمارك الجديد في سوريا: ماذا غيّر المرسوم 109 لعام 2026 في علاقة التجارة بالجمارك؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك، بديلاً عن القانونين رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما. لا يمثّل هذا المرسوم تعديلاً جزئياً في بند أو رسم، بل إعادة بناء للإطار القانوني الذي يحكم عمل الجمارك، حركة البضائع، المخالفات، التهريب، التخليص، والأوضاع الجمركية الخاصة.
تأتي أهمية القانون من أنه يمس نقطة مركزية في بيئة الأعمال السورية: العلاقة بين الدولة والتجارة عبر الحدود. فكل مستورد أو مصدر أو شركة نقل أو مخلص جمركي أو مستثمر صناعي يتأثر بدرجة ما بطريقة عمل الجمارك، ووضوح القواعد، وسرعة التخليص، ومستوى المخاطر القانونية والتشغيلية.
ما الذي كان قائماً قبل المرسوم؟
قبل صدور المرسوم 109، كان الإطار الجمركي السوري يستند أساساً إلى قانون الجمارك رقم 38 لعام 2006 وقانون الضابطة الجمركية رقم 37 لعام 2006، مع تعديلات لاحقة. هذا الإطار كان يعكس مرحلة مختلفة من الاقتصاد السوري، قبل سنوات طويلة من التغيرات السياسية والاقتصادية والتجارية التي مرّت بها البلاد.
المشكلة لم تكن فقط في قدم النصوص، بل في تراكم تحديات عملية حول التخليص، التهريب، النزاعات، تصنيف البضائع، تعدد الإجراءات، وتفاوت قدرة الشركات على توقع الكلفة والمدة والمخاطر. وفي بيئة أعمال تبحث عن إعادة تنظيم التجارة والاستثمار، تصبح الجمارك واحدة من أكثر الملفات حاجة إلى إعادة ضبط.
ما الذي غيّره المرسوم 109؟
المرسوم 109 وضع قانوناً جديداً بدل القانونين السابقين. وهذا يعني دمجاً وإعادة ترتيب للإطار الذي يحكم الجمارك العامة والضابطة الجمركية، بدلاً من بقاء المسألة موزعة بين نصوص قديمة وتعديلات متفرقة.
عملياً، يتعامل القانون الجديد مع عدة محاور رئيسية:
- تنظيم إدارة الجمارك وصلاحياتها.
- تنظيم إجراءات الاستيراد والتصدير والتخليص.
- ربط القانون بالتعرفة الجمركية.
- معالجة المخالفات والتهريب والعقوبات.
- تنظيم الأوضاع الجمركية مثل الترانزيت، المستودعات، المناطق الحرة، الإدخال المؤقت، وإعادة التصدير.
- توضيح الإعفاءات وحالات رد الرسوم.
- ضبط العلاقة بين التاجر أو الشركة والإدارة الجمركية.
القيمة العملية هنا أن القانون لا يقتصر على العقوبة، بل يعيد تعريف المسار الجمركي نفسه: من دخول البضاعة، إلى التصريح، إلى التخليص، إلى الرقابة، إلى المخالفة أو التسوية عند حدوث نزاع.
ماذا يعني ذلك للمستوردين؟
بالنسبة للمستوردين، يعني القانون الجديد أن مرحلة الاعتماد على الخبرة القديمة وحدها قد لا تكون كافية. المستورد سيحتاج إلى مراجعة أوضح لملفات الاستيراد، خصوصاً ما يتعلق بوصف البضاعة، مصدرها، قيمتها، وثائقها، كودها الجمركي، وطريقة إدخالها.
أهم أثر عملي هو ارتفاع أهمية الامتثال المسبق. فالشركة التي تدخل بضائعها عبر مسار واضح، بوثائق دقيقة وتصنيف صحيح، ستكون أقدر على تقليل التأخير والمخالفات. أما الشركات التي اعتادت العمل على تقديرات عامة أو وثائق غير مكتملة، فقد تواجه مخاطر أعلى في ظل إطار قانوني جديد.
القانون قد لا يعني بالضرورة زيادة في الرسوم على كل السلع، لكنه يعني أن طريقة التعامل مع الجمارك ستكون أكثر حساسية تجاه الدقة والالتزام.
ماذا يعني ذلك للمصدرين؟
بالنسبة للمصدرين، الأثر يرتبط بسرعة ووضوح خروج البضائع من سوريا، وإمكانية الاستفادة من أنظمة مثل إعادة التصدير أو رد الرسوم عند توفر شروطها. فالمصدر لا يحتاج فقط إلى سوق خارجي، بل يحتاج أيضاً إلى مسار جمركي لا يعطل الشحنات ولا يرفع كلفة الالتزام.
إذا طُبق القانون بطريقة منسجمة، فقد يساعد المصدرين على تحسين القدرة على التخطيط، خصوصاً في المنتجات التي تحتاج مواعيد دقيقة، مثل المنتجات الزراعية والغذائية والصناعات الخفيفة. أما إذا بقي التطبيق متبايناً بين المنافذ، فقد تبقى المشكلة في التنفيذ لا في النص.
ماذا يعني للمستثمرين والقطاع الصناعي؟
المستثمر الصناعي يتأثر بالجمارك قبل بدء الإنتاج وبعده. فهو يحتاج إلى إدخال آلات، خطوط إنتاج، مواد أولية، قطع تبديل، وربما تصدير منتجات لاحقاً. لذلك، يشكّل قانون الجمارك الجديد جزءاً من بيئة الاستثمار، وليس مجرد قانون حدودي.
كلما كانت القواعد الجمركية أوضح، أصبح المستثمر أقدر على حساب كلفة المشروع. وكلما كانت إجراءات الإدخال المؤقت أو المستودعات أو إعادة التصدير أكثر تنظيماً، زادت مرونة الشركات التي تعمل في التصنيع أو التجميع أو التجارة الإقليمية.
ما الذي يترتب على الشركات الآن؟
الخطوة العملية الأولى هي عدم التعامل مع القانون كخبر فقط. على الشركات أن تبدأ مراجعة ملفاتها الجمركية وفق أربعة مستويات:
أولاً، مراجعة السلع المستوردة أو المصدرة وتصنيفها الجمركي.
ثانياً، مراجعة عقود الشراء والشحن والتأمين والفواتير التجارية، لأن أي ضعف في الوثائق قد يتحول إلى نقطة خلاف.
ثالثاً، مراجعة العلاقة مع المخلص الجمركي، والتأكد من أنه يتعامل مع الإطار الجديد لا مع الممارسات القديمة.
رابعاً، متابعة التعليمات التنفيذية والتطبيق في المنافذ، لأن الأثر الحقيقي سيظهر في الإجراءات اليومية لا في النص وحده.
ما الذي يجب متابعته لاحقاً؟
أهم ما يجب متابعته بعد صدور القانون هو التعليمات التنفيذية، وطريقة تعامل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مع التطبيق، ومدى توحيد التفسير بين المنافذ. كما يجب رصد العلاقة بين القانون الجديد والمرسوم 110 الخاص بالتعريفة الجمركية المتناسقة، لأن القانون يضع الإطار، بينما التعريفة تحدد الكلفة العملية على السلع.
الخلاصة
المرسوم 109 لعام 2026 يمثل نقطة تحول في الإطار الجمركي السوري. أهميته ليست في استبدال نصوص قديمة فقط، بل في محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين التجارة والجمارك في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى وضوح أكبر في حركة البضائع، كلفة الاستيراد، مسارات التصدير، ومكافحة التهريب.
الاختبار الحقيقي لن يكون في صدور القانون، بل في تطبيقه. فإذا ترافق مع تعليمات واضحة، إجراءات أسرع، تفسير موحد، وتواصل عملي مع مجتمع الأعمال، فقد يشكل خطوة مهمة لتحسين بيئة التجارة والاستثمار. أما إذا بقي التطبيق معقداً أو متفاوتاً، فقد تتحول المرحلة الأولى إلى عبء انتقالي على الشركات.
روابط مقترحة: